القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أزمة الماء في تونس: الافتراضي والموضوعي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-07-30 15:42:00 | 295 مشاهدة

ملخص

يتواصل انشغال الرأي العام، بأزمة الماء التي تشكو منها عديد الجهات في تونس، والتي تختلف من منطقة إلى أخرى في الحجم والمدة الزمنية والأضرار المترتبة عليها، فبعد انقطاع الماء عن مناطق من ولاية المهدية، تتواصل الاحتجاجات في مناطق متفرقة من وعدة ولايات من بينها ولاية القيروان، كالباطن، وأولاد عون. إذ ظل الماء منقطعا لمدة 7 أشهر، نفقت فيها الحيوانات ويبست فيها الأشجار، مما اضطر المواطنين إلى البحث عن الماء وتجشم عناء جلبه من مسافات بعيدة عنهم في أواني وأوعية بلاستيكية، وعلى ظهور الحيوانات، وأفرز ذلك احتقانا كبيرا ، وغضبا لدى الأهالي، سوّلا لهم قطع الطرق، وإشعال الإطارات المطاطية، وهوما اضطر المعتمدين للخروج من مكاتبهم للتفاوض مع المحتجين لإنهاء الاحتجاجات. وهي احتجاجات تتزايد مع مرور الزمن مع تزايد حوادث انقطاع الماء "ففي ماي 2016 تم تسجيل 119 انقطاعا وفي جوان 137 انقطاعا وفي جويلية  184 انقطاعا وفي أوت 174 انقطاعا وفي سبتمبر74 انقطاعا، وفي أكتوبر 44 و9 انقطاعات في نوفمبر". وفي جوان 2017 تم تسجيل 122 حادثا ليرتفع العدد في جوان 2018 إلى 260 حالة، كما زادت حالات التبليغ من 395 في شهري ماي وجوان 2017 إلى 404 في ماي وجوان 2018. وهو ما يختصر الوضع المتفاقم.

مقدمة

تشير الدراسات الميدانية إلى أن أزمة الماء لم تكن مفاجئة للخبراء، رغم أن نقص الأمطار في السنوات الثلاثة الأخيرة  زاد من استفحالها، علاوة على عوامل وجيوب أخرى ساهمت بدورها في بلوغ الأزمة حدها المعلوم، ففي دراسة أعدت سنة 2007 حذّر معدوها بأن تونس تتجه إلى الجفاف الشديد، ما يفرض ضرورة التخلي عن الغراسات غير المربحة اقتصاديا، وفرض طريقة السقي قطرة  قطرة ، لاسيما وأن الفلاحة أكبر مستهلك للماء بنسبة 82 في المائة في حين لا يمثل الماء الخاص بالشرب سوى 18 في المائة من نسبة الاستهلاك. وهو ما يعكس في احدى صوره القدر الذي يحصل عليه الفرد في تونس من الماء و المقدّر ب 419 متر مكعب في السنة ، وهو أقل من المعدل العالمي الذي يصل إلى ألف متر مكعب في العام.

أزمة نضوب المياه:

تمر تونس بأزمة كبيرة، في ظل تناقص كميات الأمطار، والتي تنعكس كمياتها على الصابة سلبا وإيجابا، فالكميات الكبيرة توّلد إنتاجا أكثر، وتزيد وتنقص الصابة بحسب كميات الأمطار المسجلة. وعندما لا يكون هناك سيلانا لمياه الأمطار لا تمتلئ السدود. ويشير الخبراء إلى أن مجموع السدود التونسية ، وخاصة سد سيدي سالم، وهو من السدود الكبيرة نسبيا، يمكن أن يعطينا مخزون 3 سنوات. وأن الاستهلاك للزراعة والشرب والسياحة والصناعة في حدود 200 مليون متر مكعب في السنة. ولكن هذا السد لا تتوفر فيه كميات من الماء سوى لحاجة أقل من سنة واحدة، أي نحو 180 مليون متر مكعب. ومن ألطاف الله أن بقية السدود كانت تتوفر فيها هي الأخرى كميات معتبرة وإن كانت دون المأمول لأن كميات الأمطار في أقصى الشمال كانت دون المستوى المعهود. علاوة على أن نهر مجردة الذي تكاد مياهه تنضب، وهذا ما جعل تكلفة ضخ المياه من جهة عين دراهم وطبرقة كبيرة. لأن مياه مجردة لا تحتاج لضخ صناعي كما هو الحال من عين دراهم وطبرقة. كما تشير الإحصاءات إلى أن المجامع المائية تعاني بدورها من العديد من الإشكاليات هذه السنة 2018 حيث تراجع عددها من 302 إلى 92 جمعية، بسبب مشاكل عدم خلاص الفواتير، وسوء الإدارة، وغياب إطار ينظمها. وتسجل تونس عجزا سنويا يقدر ب 275 مليون متر مكعب، إذ تستهلك سنويا 4845 مليون متر مكعب في حين تبلغ مواردها المائية 4503 مليون متر مكعب، ويقدر استهلاك القطاع الصناعي أكثر من 400 مليون متر مكعب  والاستهلاك المنزلي نصف مليار متر مكعب  . وهو يقرب من رقم نصف مليار متر مكعب التي نضبت من السدود التونسية بسبب نقص كميات الأمطار واستمرار الجفاف للسنة الثالثة على التوالي، وهو ما جعل مخزون السدود لا يتعدى 980251 مليون متر مكعب، أي 37 في المائة من معدل استيعابها وهو 2 مليار و700 مليون متر مكعب. وفي هذا العام خصصت الدولة  200 مليون دينار لصائفة 2018 لمعالجة مشاكل التزود بالمياه الصالحة للشرب. ووفقا لبعض الأرقام الرسمية فهناك نحو مليار دولار خسائر تتكبدها تونس من جراء الجفاف حسب الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري . ويزيد من خطورة الوضع أن 30 في المائة من شبكات وقنوات الري التي يبلغ طولها وفق بعض التقديرات 70 ألف كيلومتر وفي بعضها الآخر أكثر من 41619 كيلومتر وأكثر من 1126 خزانا في مختلف الأحجام تهرأت بعد مضي أكثر من 30 سنة على إنجازها، وهو ما يفسّر عمليات العطب الكبيرة والخطيرة على السكان لا سيما تلك التي تعبر من خلال الأحياء الآهلة بالناس كما حصل في الزهروني عند تفجر الماء من قناة  تزود العاصمة بالماء، ودخول الماء للمساكن والتسبب في أضرار متفاوتة. وتقدر تكاليف صيانة الشبكات المهترئة وفق بعض التقديرات 70 مليار دولار أمريكي

أزمة التوزيع:

ويحمّل بعض الخبراء، الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه" السوناد "مسؤولية كبيرة في الأزمة الحاصلة، والتي لا يمكن تبريرها بنضوب السدود أو نقص المياه المخزنة بها بسبب انخفاض مستوى كميات الأمطار المسجلة في السنوات الثلاث الأخيرة، رغم أن سد نبهانة، نضب تقريبا، ولكن هناك مسؤولية تهالك الشبكات المائية وعدم تجديدها من قبل السوناد, مما جعل رجوع الماء بعد كل عطب لا يعود إلا بعد فترة طويلة على السكان في جو صيفي ملتهب.

وإلى جانب غياب الصيانة، وعدم تجديد القنوات وشبكات المياه ثمة إشكال آخر يتمثل في عدم حفر آبار جديدة كافية وبعمق مطلوب، فزغوان على سبيل المثال معروفة تاريخيا بأنها مصدر للمياه وبها معبد روماني للمياه ، ومعروفة تاريخيا بأنها المزود الرئيسي للعاصمة بالماء, ففي زغوان كانت هناك بئر كبيرة تعطي 72 لتر في الثانية، نزلت السنة الماضية إلى 26 لتر في الثانية ، وهذه السنة { 2018 } نزلت إلى 18 لتر في الثانية. وهذا إشكال كبير كان المفروض على السوناد، أن لا تعوّل على بئر وحيدة ، وإنما تحفر مجموعة من الآبار العميقة بالقدر الكافي بما يستجيب والحاجة الملحة إليها وما يفي بالأغراض المكانية والزمانية والديمغرافية المتزايدة. ولكن للأسف لم تقم "السوناد" بواجباتها حيال ما يعانيه المواطنون من أزمة الماء.

حلول الأزمة أزمة الحلول:

تشير بعض التقديرات إلى أن مخزون المياه في السدود التونسية 746 بلغ  مليون متر مكعب في أوت 2016 في حين كان في نفس الفترة من سنة 2015 مليار و226 مليون متر مكعب . ومن الحلول المطروحة لهذه الأزمة التي تضرر منها سكان العديد من مناطق البلاد ولا سيما في الوسط والجنوب والجنوب الشرقي، بل في المناطق التي تعد أحد مصادر المياه كجندوبة وزغوان، ومناطق أقصى الشمال التونسي التي يتوفر بها 450 مليون متر مكعب من الموارد السطحية المتاحة وغير المستغلة وهي تتوزع على 286 مليون متر مكعب بسد البراق و222 مليون لتر مكعب بالسد الكبير، و26 مليون متر مكعب بسد المولى و69 مليون متر مكعب بسد سجنان ينتظر الجميع موعد عمل 40 محطة مبرمجة لتحلية مياه البحر. وحفر آبار عميقة جديدة في المناطق التي تشكو انقطاعا أو نقصا في المياه، وفرض تزويد جيران أصحاب تلك الآبار وفق عقود قانونية بالماء سواء للزراعة أو الشرب على قاعدة "أسقي ثم أرسل الماء لجارك " وعلى قاعدة" الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ" على أن يتحمل الجيران جزءا من التكلفة وفق اتفاق مسبق برعاية الإدارة الرسمية. إضافة إلى مقاومة عمليات الربط العشوائي، واعتماد الطرق الحديثة في استهلاك الطاقة النظيفة وتقليص الطاقة المستوردة إلى حد الاستغناء عنها نهائيا.

ولا شك أن دراسة حاجيات المناطق التونسية يتم وفقا للمعطيات المحلية لكل منطقة ، مع الإسراع بإنجاز سد " القعلة " الذي كان مخططا الانتهاء من أشغاله في 2011 ، فعندما تولت حكومة الترويكة السلطة في 2012 و2013 لم تكن الدراسات مكتملة، وكان ذلك مفاجئة غير متوقعة لا سيما وأنه تم العثور حينها على ممولين للمشروع.  وهو ساهم في توالد الأزمة واستمرارها. ومن المفارقات أن تعيش ولاية زغوان التي كانت ولا تزال مصدرا للمياه لتونس ومناطق أخرى حالة انقطاع الماء لعدة أيام. لأن السوناد لم تأخذ الاحتياطات اللازمة لمثل هذه المسؤوليات وحقوق المواطنين الدستورية ، وتحديدا الحق في الماء.

كما كان لتأخر إنجاز محطات تحلية المياه ومنها المبرمجة في صفاقس وجربة دور في الأزمة ، مما يتطلب الإسراع في انجاز مثل هذه المشاريع التي من المفروض أن تكون تعمل الآن  كسد القلعة، آنف الذكر، حسب ما خطط لها سابقا، برؤية استشرافية تدرك أن النقص ابتدأ منذ 2014 وليس 2016 كما يروّج البعض. وكان لتأخر انجاز الدراسات دور كبير في هذا التأخير وبالتالي الأزمة  المتفاقمة حاليا.

خاتمة :      

 مما لا شك فيه ، أن النقص في الماء حاليا في تونس ينطوي على تبرير للتقصير، في انجاز المشاريع وما تقتضيه من دراسات كاملة. وهو ليس حالة طبيعية بل اجرائية تتحمل بعض السلطات المسؤولية عنها، وبلسم تحلية المياه كحل استراتيجي وممكن في تونس { 1500 كيلومتر شواطئ} يحتاج بدوره لاستخدام الطاقات البديلة، لأن تحلية المياه بالوسائل التقليدية وبالطاقة المستوردة يكلف كثيرا. وبالتالي الوضع ليس كارثيا إذا تعاملنا معه بمسؤولية ويوم تحل مشكلة الطاقة ستحل مشكلة الماء.

عبد الباقي خليفة

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك