القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أزمة الليرة التركية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-05 11:59:00 | 307 مشاهدة

                                           

   ملخص

عاشت تركيا الأسابيع الماضية على وطأ أزمة مالية حادة حيث انهارت قيمة الليرة التركية على خلفية توترات مع الولايات المتحدة. فعلى الرغم من الطابع الإستراتيجي الذي لطالما كسا العلاقات التي تربط بين الحليفين التقليديين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن تلك العلاقات مافتئت تشهد فتورا حادا وأحيانا رجات عنيفة بين الفينة والأخرى، وذلك بسبب عدة ملفات شائكة كان من شأنها أن تزيد من حدة الخلاف بين البلدين إضافة إلى تبني تركيا لسياسة أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة في العديد من الملفات، إلا أن هذا التدهور الحاصل في العلاقات الثنائية بين البلدين قد أخذ في عمومه أبعادا متعددة ليصل مداه إلى شن هجوم اقتصادي منظم على الليرة التركية مما أدى إلى فقدانها لنسبة هامة من قيمتها السوقية خلال أيام فقط مقابل الدولار الأمريكي .

مقدمة

عندما حقّق حزب العدالة والتنمية فوزاً كاسحاً في نوفمبر2002 ، كانت تركيا تمضي قدماً في تطبيق الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي عَقِبَ الأزمة المالية التي شهدتها البلاد في العام 2001. لكن السنوات اللاحقة التي نعمت تركيا خلالها باستقرار مالي ومعدّلات نمو غير متقطّعة، محت ذكريات اللااستقرار المالي وحزم الإنقاذ العديدة التي تلقّتها البلاد. كما كانت الانتصارات الانتخابية المتوالية كفيلة بإبقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السلطة، وأتاحت له توطيد أركان حكمه وتأدية دور فعّال على المستويين الإقليمي والدولي. يُضاف إلى ذلك أن المشاريع العملاقة التي أطلقتها تركيا لجعل اقتصادها واحداً من أكبر عشر اقتصادات  في العالم، جذبت إليها المصارف الأجنبية والمستثمرين الدوليين.، لكن لم تمنع قوة الاقتصاد التركي والنجاحات التي حققها في السنوات الأخيرة خاصة في الاستثمارات الأجنبية والمشاريع البنيوية العملاقة  الهبوط المدوي لليرة التركية مقابل الدولار في نهاية تعاملات الأسابيع الماضية، متأثرة بالأوضاع الجيوسياسية المحلية والإقليمية و عدى عن أجواء الحرب في دول جوار تركيا، جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة والتي أثرت تأثيرا كبيرا على الليرة التركية.

يُعرف اقتصاد تركيا كسوق ناشئة من قبل صندوق النقد الدولي ومتطورة بشكل كبير، ما يجعل تركيا واحدة من الدول الصناعية الكبرى الجديدة. ويقدّر حجم الاقتصاد التركي بحوالي تريليون دولار، ويأتي في الترتيب السابع عشر بين الاقتصادات الكبرى التي تشكل مجموعة العشرين. وقد أظهرت بيانات هيئة الإحصاء التركية نمو اقتصاد تركيا 7.4% العام الماضي، وبذلك يكون الاقتصاد التركي هو الأسرع نمواً بين دول مجموعة العشرين،متجاوزاً اقتصادي الصين والهند اللتين احتلتا المركزين الأول والثاني العام المنصرم. وحقق الاقتصاد التركي نمواً بثلاثة أضعاف متوسط نمو الاتحاد الأوروبي،كما تخطى أكثر  الاقتصادات سرعة في النمو مثل الصين والهند. ويتوقع البنك الدولي أن يتراوح معدل نمو الاقتصاد التركي بين عامي 2018 و2019، بين 4% و5%، بعدما أظهر الاقتصاد أداءً متميّزاً عام 2017، واستطاع تحقيق نمو وصل إلى 7.4%.

 بلغ حجم الاستثمارات العامة 128 مليار ليرة تركية (33.5 مليار دولار)، والاستثمارات الخاصة أكثر من 900 مليار ليرة (235 مليار دولار). ووفقا لأرقام هيئة الإحصاء التركية،بلغ معدل الدخل السنوي للفرد في تركيا العام المنصرم نحو 38.7 ألف ليرة تركية (9.7آلاف دولار) مقابل32.7 ألف ليرة (8.2 آلاف دولار) عام 2016.  ومنيت العملة التركية بخسائر قاسية خلال الفترة الماضية، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمضاعفة رسوم الواردات الأمريكية من الصلب والألمونيوم التركي، إلى 50% و20% على الترتيب.

وبدأت الليرة، في وقف نزيف الخسائر، بعد إعلان الحكومة التركية عن عدة إجراءات لدعم الاقتصاد الوطني، منها الإعلان عن مضاعفة الرسوم الجمركية على 22 منتجا مستوردا من الولايات المتحدة، بما يعادل 533 مليون دولار، ردا على العقوبات الأمريكية، وهو ما وصفه البيت الأبيض بالأمر "المؤسف" واعتبرها خطوة في الاتجاه الخاطئ.[1] 

 

-1- أسباب تدهور الليرة التركية

ساهمت عدة أسباب اقتصادية في تدهور الليرة التركية في أوت  2018، فضلًا عن الصراع السياسي مع أمريكا حول مجموعة من الملفات المعروفة، سواء صفقة الصواريخ أس 400 الروسية، أو قضية القس الأمريكي وكذلك الرسوم الجمركية على المنتجات التركية المصدرة لأمريكا.

    -أ-  الأسباب الاقتصادية

فقدت الليرة التركية  20٪ من قيمتها الشهر الماضي ، والتي بلغت ذروتها بإعلان الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تضاعف التعريفات الجمركية على الواردات من الصلب التركي والألمنيوم.

و تتمثل اهم الأسباب الاقتصادية في عجز الحساب الجاري، و الدين العام

-ب-  عجز الحساب الجاري

يعتبر استمرار عجز الحساب الجاري أحد أهم المعضلات التي تواجه الحكومة التركية، ويرتبط هذا المؤشر  بحجم الحوالات الواردة والصادرة من البلد، ويعني هذا العجز أن حجم الحوالات النقدية الخارجة من تركيا أكبر من حجم الحوالات النقدية الداخلة إلى تركيا.

وبلا شك فإن اعتماد الحكومة التركية في سياستها الاقتصادية، في السنوات الأخيرة، على التدفقات قصيرة الأجل (سريعة الدخول والخروج من السوق) كان سيفاً ذا حدين، فعلى الرغم من دور تلك التدفقات في تحريك عجلة السوق، وتحقيق النمو الاقتصادي، لكن الاعتماد عليها وجعلها المحرك الرئيس للسوق يعتبر مخاطرة عالية؛ وذلك لحساسيتها للاضطرابات والأزمات؛ سواء  داخلياً أو خارجياً، وهذا ما أثبتته الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة وتغييرات السياسات النقدية والتجارية على الصعيد الدولي الشيء الذي سبب ارتفاعا في قيمة عجز الميزان التجاري التركي، فوفق تقارير البنك المركزي التركي، حتى نهاية ماي من 2018 بلغ إجمالي العجز في الحساب الجاري 57.6 مليار دولار مقارنة بـ36.2 مليار في ماي 2017، حيث تم بيع أصول مالية بقيمة 5.19مليارات دولار،  وتضاعف العجز في الميزان التجاري من 43 مليار دولار في النصف الأول من 2017، ليصل إلى قرابة 70 مليار دولار مع نهاية النصف الأول من 2018؛ وذلك نتيجة لارتفاع تكلفة الواردات، خاصة أن تركيا لديها نقص في مجال الموارد الطبيعة والطاقة؛ ولكونها دولة يستند اقتصادها بشكل كبير على التجارة الخارجية.وقد اقترن العجز التجاري مع تفاقم عجز الحساب الجاري، وسجل مؤشر تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة انخفاضاً بقيمة 1.57 مليار دولار خلال النصف الأول من العام 2018، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.[2](

-ج-الدين العام 

ساهم ارتفاع حجم الديون الخارجية على القطاعين الحكومي والخاص، التى  وردت في الإحصائيات الرسمية، في زيادة حدة أزمة أسعار الصرف.

فحسب ما أعلنته وزارة الخزانة التركية وصل حجم الدين العام  453.2 مليار دولار  مع نهاية 2017.

وبلغ إجمالي دين القطاع الخاص منها 210.9 مليارات دولار ، قرابة نصف هذه الديون على شركات غير مالية، 35% من هذه الديون مقومة بالدولار، وهذا يعنى أن استمرار انخفاض الليرة التركية يعنى زيادة في حجم الديون وأعبائها على الشركات التركية، مع تعقيد عملية الوصول إلى التمويل الأجنبي، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الفائدة أيضاً.

وهذا الأمر  سوف يفاقم الأزمة؛ فعلى سبيل المثال، ديون الشركات التي كانت تقدر بـ 210.9 مليارات دولار  بما يساوي 843.6 مليار ليرة على سعر 4، أصبحت على سعر اليوم تريليوناً و 265 مليار ليرة، أي إن ديون الشركات ارتفعت 421 مليار ليرة خلال فترة وجيزة. 

     -2-    الأسباب السياسية

أصبح من الواضح أن البعد السياسي هو المحرك الرئيسي للأحداث على الساحة التركية، وأن بعض الأطراف الدولية تحاول تحجيم دور تركيا الإقليمي والدولي، خاصة بعد المكانة التي استعادتها أنقرة  على الساحة الدولية؛ وذلك من خلال المدخل الاقتصادي. وعلى الرغم من انتهاء الانتخابات الرئاسية، وإعلان الرئيس التركي عن برنامجه وخطته الاقتصادية للفترة القادمة، فإن أزمة الليرة التركية ما زالت مستمرة وتتفاقم، لا سيما  في ظل توسع الفجوة في وجهات النظر المتعلقة بكفاءة السياسات الاقتصادية المتبعة من طرف الحكومة التركية، مع ارتفاع معدلات التضخم، وعدم استقرار أسعار الصرف، وزيادة حجم الدين العام. وقد زادت الحرب التجارية القائمة من متاعب الليرة التركية، خاصة في ظل تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة؛ الأمر الذي يعنى أن جزءاً كبيراً من الصادرات التركية قد تفقد إمكانية الوصول إلى الأسواق الأمريكية من دون رسوم جمركية؛ ممَّا يؤدي إلى إغلاق تدفقات حيوية للدولار ، إضافة إلى تأثير الحرب التجارية  على قرارات توسع الشركات الآسيوية. وعليه يعتبر الاستقرار السياسي وإغلاق الجبهات الخارجية ضرورة لاستقرار الاقتصاد التركي. كما وقد ساهمت الأحداث الساخنة على الساحة السياسية، خاصة مع تصاعد وتيرة الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة، مع تهديد الأخيرة بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، في تفاقم أزمة الليرة التركية،التي تجاوزت حاجز 6 ليرات مقابل الدولار ، الجمعة 10 أوت الماضي.

-3- تصاعد التوتر بين واشنطن وأنقرة

زادت حالة الانكشاف الاقتصادي لأنقرة على خلفية التوتر الحاد مع واشنطن حيث شهدت العلاقات الأميركية – التركية تدهورًا غير مسبوق منذ نهاية جويلية 2018، وصلت إلى حد فرض عقوبات متبادلة، مع احتمالات تصعيد المواجهة. والسبب المباشر لتفجير الأزمة الأخيرة بين الطرفين، بحسب الولايات المتحدة الأميركية، هو رفض تركيا الإفراج عن القس الأميركي، أندرو برانسون، المحتجز منذ عام 2016 والذي تتهمه تركيا بالتجسس والإرهاب، وترى أن الولايات المتحدة تدعم حزب العمال الكردستاني، وتتعاون مع منظمة رجل الدين التركي، فتح الله غولن الذي يقيم في  الولايات المتحدة، والذي يتهمه الرئيس التركي، ر جب طيب أردوغان،بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، في حين أن واشنطن ترفض تسليم غولن إلى السلطات التركية بحجة عدم كفاية الأدلة التي قدمتها أنقرة ضده. ولم تفلح الاتصالات السياسية بين البلدين، حتى الآن، في احتواء التدهور الحاصل في العلاقات، خصوصًا مع التداعيات الكبيرة للعقوبات الأميركية على الاقتصاد التركي،وإصرار أنقرة على عدم الخضوع لما تصفه بمواقف واشنطن "العدائية" .[3] كما كان للتصعيد الإعلامي الأميركي والتركي الأثر الكبير في صعوبة حل الأزمة؛ لأنه يحرج صناع القرار،فيبدون في موقف ضعف أماما لرأي العام في حالة التنازل. ومن ناحية أخرى، فإ ن التصعيد الإعلامي ذو علاقة بالشعبوية السياسية الموجهة إلى جمهور الرئيس الحاكم. وبهذا المعنى، فإن صناع القرار المعنيين،الأميركيين والأتراك، يصبحون أسرى شعبويتهم السياسية. ولكن، كما في أماكن أخرى في العالم، كان الرئيس الأميركي ترامب هو المبادر بالتصعيد.

-4- الرد التركي

اعتبر الرئيس أردوغان أن بلاده تتعرض لحرب اقتصادية، وهد د بالبحث عن أسواق بديلة وتحالفات جديدة إنْ لم تتراجع الولايات المتحدة عن إجراءاتها، وإنْ لم  تأخذ هواجس تركيا ومصالحها في الحسبان. وقال أردوغان إن تركيا "لا تخضع للتهديدات"،وإنها "ستقوم بما يخدم مصالحها"، مشددًا على ضرورة أن تتخلى الولايات المتحدة عن "فكرتها الخاطئة المتمثلة بأن علاقاتنا يمكن أن تكون غير متماثلة، كما عليها أن تتعايش مع حقيقة مفادها أن تركيا لديها بدائل"[4]  . كما توعد بأنه  إن كانت واشنطن على استعداد للتضحية بعلاقتها مع أنقرة، فإن تركيا ستردبـ"التحول إلى أسواق جديدة، وشراكات جديدة وتحالفات جديدة (ضد) من شن حربا تجارية على العالم بأكمله وشمل بها بلدنا". وألمح إلى أن التحالف برمته بين تركيا التي انضمت إلى الحلف الأطلسي عام 1952 بدعم أمريكي، والولايات المتحدة على المحك. تعد أزمة برانسون أحد تعابير أزمة إستراتيجية في العلاقات بين الدولتين تمتد منذ أيام إدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما. فمنذ ذلك الحين،كان واضحًا أن ثمة افتراقًا أميركيًا – تركيًا في الرؤى والأولويات والمقاربات والإستراتيجيات في الإقليم،خصوصًا في السياق السوري،وبدرجة أقل الفلسطيني. وتوسعت هوة الخلافات بين البلدين حول الموقف من الثورات العربية، والثورات المضادة، والديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا، والغضب التركي من الموقف الأميركي الغامض من المحاولة الانقلابية عام 2016، والموقف من إيران وروسيا، وكذلك الأزمة الخليجية الأخيرة، والسياسات الدفاعية المشتركة لحلف الناتو، فضلًا عن محاولات الكونغرس تعطيل تسليم تركيا طائرات أف-35. وقد أشار أردوغان إلى بعض نقاط الاختلاف والاحتكاك بين البلدين في مقالته الأخيرة في نيويورك تايمز،محذرًا من أنه "ما لم تبدأ الولايات المتحدة في احترام سيادة تركيا وتثبت أنها تتفهم الأخطار التي تواجهها أمتنا، فإن شراكتنا ستكون في مهب الريح".[5]

-5- إجراءات مالية

اتخذ البنك المركزي التركي، رزمة إجراءات مالية، من شأنها أن تدعم فعالية الأسواق، وتخلق مرونة أكبر للجهاز المصرفي في إدارة السيولة.، وسيُلبّي احتياجات البنوك من السيولة بالليرة بتكلفة أعلى من سعر الفائدة القياسي وذلك في خطوة محتملة. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إنه يتوقع أن تستمر الهجمات على الاقتصاد التركي لكنه توقع أن تعود الليرة إلى "مستويات عقلانية" قريبا. ووصف سقوط الليرة كنتيجة لمؤامرة بدلًا من أسس اقتصادية ، قائلاً إن نشر أخبار كاذبة عن الاقتصاد كان خيانة وأن الإجراءات الأمريكية الأخيرة كانت طعنة في الظهر ضد أنقرة. وقال وزير المالية التركي بيرات البيرق في مقابلة مع صحيفة حرييت التركية إن الحكومة وضعت خطة عمل وستبدأ في تنفيذها لتخفيف مخاوف المستثمرين. وتحدث الوزيرعن خطة لمساعدة البنوك والشركات المتوسطة الحجم الأكثر تضررا من تقلبات العملة. ونفى البيرق أيضا أن تكون الحكومة قد احتجزت حسابات مصرفية محتفظ بها بالدولار. وباستخدام لغة مماثلة لتلك التي استخدمها الرئيس التركي ، وصف ضعف الليرة بأنه "هجوم" على البلاد. واتهم رجب طيب أردوغان واشنطن بشن حرب اقتصادية على تركيا. ومع ذلك ، لميتم تقديم أي تفاصيل حول الخطة الاقتصادية على الفور وتعرضت الحكومة لانتقادات بسبب الرد بعد فوات الأوان. في محاولة للقمع ضد المضاربين ، أطلق مكتب المدعي العام في اسطنبول تحقيقاً في أشخاص يشتبه في قيامهم بأعمال تهدد الأمن الاقتصادي لتركيا - كما أفادت محطة سي إن إن التركية الخاصة. كما تم الإعلان عن اتخاذ إجراءات ضد مواقع التواصل الاجتماعي حول سعر الصرف. و تبذل الحكومة التركية جهدا كبيراً لجذب العملة الصعبة للبلاد من جهة، وتقليل الطلب داخلياً على الدولار من جهةٍ أخرى، لا سيما في مساعيها للتنسيق المباشر بين الدول المتضررة من الحصار الأميركي، وجعل التجارة بينها بعملاتها الوطنية وعدم التعامل بالدولار. ومن المقترحات أيضا ألا يقوم البنك المركزي بتجديد القروض والسندات أو إعادة جدولتها، وأن يبادر إلى إصدار صكوك مقومة بالدولار بغض النظر عن موقف أميركا السياسي والاقتصادي من تركيا. كما تنتشر دعوات في تركيا لرفع تأشيرات الدخول عن بعض الجنسيات كمواطني ليبيا الذين سيتيح توافدهم الكثيف على البلاد إدخال عملة صعبة يقدرها بعض الخبراء بنحو ستة مليارات دولار خلال عام واحد، اذ يعول الأتراك كثيرا على تحقيق موسم استثنائي في مجال السياحة، إذ تشير التوقعات إلى أن عام 2018 سيشهد أعلى نسبة تدفق للسياح على البلاد، مع توقعات بأن يزيد عدد السياح الذين زاروا إسطنبول وحدها على أربعين مليون سائح، وهو الأعلى تاريخياً في عدد السياح. وقد انخفاض سعر الليرة الإقبال على المرافق السياحية، خاصة الأسواق والمطاعم التي لم تتأثر أسعار منتجاتها بارتفاع سعر صرف الدولار. و نقلت  "رويترز" عن متعامل بسوق الصرف لدى أحد البنوك في تركيا،قوله: "فسر البنك المركزي تقلبات السوق على أنها تحركات سعرية غير صحية ووفر مجالا لنفسه لإمكانية العودة إلى سياسة الممر السابقة". وكان البنك المركزي، قد استخدم من قبل سياسة نقدية أكثر تعقيدا وعدّل أسعار الفائدة من خلال ممر بدلا من استخدام سعر فائدة قياسي.

يذكر أن البنك واجه ضغوطا سياسية من الرئيس رجب طيب أردوغان الذي طالب مرارا بخفض أسعار الفائدة لتغذية النمو، رغم ارتفاع التضخُّم وتراجع الليرة إلى مستويات قياسية منخفضة ومخاوف من نمو تضخمي في الاقتصاد. وبدأت  الليرة، في وقف نزيف الخسائر، بعد إعلان الحكومة التركية عن عدة إجراءات لدعم الاقتصاد الوطني، منها الإعلان عن مضاعفة الرسوم الجمركية على 22 منتجا مستوردا من الولايات المتحدة، بما يعادل 533 مليون دولار، ردا على العقوبات الأمريكية، وهو ما وصفه البيت الأبيض بالأمر "المؤسف" واعتبرها خطوة في الاتجاه الخاطئ. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي إن ضخ الأموال القطرية لن يستطيع انتشال الاقتصاد التركي من أزمته التي تفاقمت مع انهيار الليرة. وأضاف  بولتون لوكالة "رويترز" أن اتفاق مبادلة العملة الذي أبرمه البنك المركزي القطري مع نظيره التركي "غير كاف" لمساعدة الاقتصاد التركي و  أكد أن الأزمة الدبلوماسية مع أنقرة، يمكن أن تنتهي فور إطلاق سراح القس الأميركي، أندرو برانسون، الذي تحتجزه السلطات التركية.[6]

خاتمة

تدرك الولايات المتحدة أنّ مزيدًا من الضغوط قد يدفع تركيا إلى الاقتراب أكثر من روسيا التي تحاول ملء أي فراغ في المنطقة. من جهة أخرى، ليس للولايات المتحدة وحلف الناتو حتى الآن بديل فعلي من القواعد العسكرية الجوية والصاروخية والاستخباراتية للحلف في تركيا، في الوقت الذي تتجه فيه منطقة الشرق الأوسط نحو مزيد من الاضطراب بسبب محاولات احتواء النفوذ الإيراني. في السياق الاقتصادي، تبقى تركيا مرتبطة بالاقتصادات الغربية وتجارتها مرتبطة بالدولار؛ وذلك رغم الحديث عن استخدام العملات الوطنية في العلاقات التجارية البينية بدول؛ مثل روسيا،والصين. كما أن تركيا غدت بعد أزمتها الاقتصادية الأخيرة في حاجة أكثر إلى قروض واستثمارات دولية، وهي ليست في وضع يؤهلها اليوم للدخول في مواجهة مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات  المالية التي تخضع إلى النفوذ الأميركي  رغم إنها تمتلك احتياطياً ضخماً من النقد الأجنبي يتجاوز 150 مليار دولار وهو احتياطي كاف للدفاع عن الليرة وإحباط أي مضاربات تستهدفها.

إننا نقر بأهمية استقلالية البنك المركزي ولكن في الوقت نفسه ينبغي تنسيق السياسة الاقتصادية التركية بما يحقق الاستقرار لليرة التركية لخدمة السياسات الاستثمارية بما يحفظ الموروث التنموي ويغلق أبواب التآمر التي لن يكتب لها النجاح في ظل الإرادة والإدارة التركية. فهل ينجح أردوغان في مواجهة هذا المخطط وإضعافه؟

 

وصال الورفلي

 

 

[1] Article «  Whatbehind Turkish Lira crises » by Alasdair Sandford, Euronews, 13/08/2018

[2]مقال " الأسباب الرئيسيّة لانهيار الليرة التركية"، الخليج اونلاين، 10/08/2018

[3]Carotta Gall, « Turkey’s Erdogan ordersRetaliatory sanctions against American officiels, » Thé New York Times, 04/08/2018 ; http://Google/GKq2jU

[4] Recep Tayyip Erdogan, « How Turkey sees the Crisis with the U.S », The New York Times, 10/08/2018

[5]مقال " أزمة العلاقات التركية-الامريكية : هل بدأت أسس التحالف المشترك تتمزق؟" بتاريخ 16/08/2018   ، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، قطر

[6]مقال " الليرة التركية.. تطور مفاجئ بعد تصريح الدعم القطري"، Sky News Arabia، 22/08/2018،

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك