القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أزمة التعليم الثانوي: الوَجه والقَفا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-04-16 11:04:00 | 1207 مشاهدة

ملخص:                                                                      

اعتبرت الحكومة سنة 2018 سنة إنقاذ الاقتصاد من خلال ميزانية "قاسية" نسبيا، وسنة ترسيخ الانتقال الديمقراطي من خلال إنجاز الانتخابات البلدية التي ستنقل جزءا من السلطات المركزية إلى سلطات محلية. لكن صعوبات الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ورهانات بعض الأطراف السياسية المعارضة، الممثلة في البرلمان، والمتمترسة داخل مفاصل المنظمة الشغيلة، يخلق أمام هذا التوجه جملة من العوائق. وتعد أزمة المفاوضات بين قطاع التعليم الثانوي ووزارة الإشراف المعبر الأساسي عن تعقيدات المرحلة. فما هي طبيعة الأزمة؟ وما هي أبرز الرهانات المتداخلة فيها؟

مقدمة:

هي المرة الثانية التي تصل فيها الأزمة بين وزارة التربية ونقابة التعليم الثانوي بعد انتخابات 2014 إلى مستوى عال من التوتر يرتبط بمعركة إرادات فيما يشبه معركة كسر عظم. انتهت المعركة الأولى بإقالة الوزير السابق ناجي جلول وبدا ذلك انتصارا للطرف النقابي. لكن الأمر أشعل ضوءا أحمر أمام السلطة حول ما يمكن أن يصل إليه نفوذ النقابات إذا ما انفلتت عن الأعراف المنظمة لفضاءات العلاقة بين السلطة والمنظمات الاجتماعية. ولعل تلك الحصيلة هي التي تحكم الأزمة الحالية. حيث يسعى الطرف النقابي إلى تثبيت "المكسب" الذي حققه في علوية كلمته على كلمة سلطة الإشراف على التعليم الثانوي، مقابل تلك السلطة التي تريد استعادة هيبتها والعودة إلى ضوابط العلاقة القديمة مع الطرف الاجتماعي. إلا أن ما يجب الانتباه إليه أن هذه المعركة تنطوي على جملة من التعقيدات تبدأ بالنقابي ولا تنتهي عنده، وتدور وقائعها الظاهرة في الفضاء التربوي بينما يحتد وطيسها في الساحات الخلفية بدءا من الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه، مرورا بالعلاقة بينه وبين السلطة، وصولا إلى تناقضات الساحة السياسية ذاتها.

الوجه النقابي للأزمة.

انطلقت تحركات قطاع التعليم الثانوي بهيئة إدارية (أعلى سلطة في القطاع) منذ 04 نوفمبر 2017 قررت الإضراب يوم 06 ديسمبر الموالي. ثم تبتعها هيئة إدارية ثانية يومي 10/11 جانفي 2018 أقرت جملة من التحركات (ردا على ما اعتبرته استهانة بمطالب الهيئة الإدارية السابقة) جمعت بين الإضراب عن العمل (15/02/2018) وحجب أعداد الامتحانات عن الإدارة لتعطيل إجراء مجالس الأقسام المقررة في بداية فيفري 2018 للضغط على سلطة الإشراف من أجل التفاوض. تضمنت اللائحة المهنية الصادرة عن الهيئات الإدارية المختلفة عددا من المطالب أبرزها تفعيل النقطة العاشرة من اتفاق 21 أكتوبر 2011 الذي ينص على مشقة مهنة التعليم وما يستتبع ذلك من تخفيض سن التقاعد اختياريا إلى 55 سنة مع أداء 30 سنة عمل (قاعدة 55/30) والمطالب المالية متمثلة في مراجعة القيمة المالية للترقيات المهنية وعدد من المنح المالية.

قد لا يبدو في الأمر ما يثير لولا توقيت التحركات وتصعيدهاإلى السرعة القصوى في وقت قصير. فقد بدأت التحركات النقابية لهذه السنة (2017-2018) بعد هدنة اجتماعية امتدت لسنتين على إثر اتفاقية 6أفريل 2016 (مع الوزير ناجي جلول) والتي أقرت جملة من التحسينات على وضع المدرسين. وتزامنت انطلاقتها مع مناقشات تناولت وضعية الصناديق الاجتماعية الحرجة ورَشَحَتْ عنها موافقةُ الاتحاد العام التونسي للشغل على تمديد سن التقاعد مبدئيا إلى 62 سنة للتخفيف من أزمتها (وهو ما يتناقض مع مطلب قطاع الثانوي بتخفيض سن التقاعد إلى 55).كما ترافقت مع مناقشة مجلس نواب الشعب ميزانية 2018 التي تضمنت إجراءات اعتبرتها الجامعة العامة للتعليم الثانوي تمس من مصالح منظوريها وانتكاسة لما حققته لهم من مكاسب. ومرة أخرى قد يبدو الأمر عاديا بالنظر إلى الوجه النقابي للمسألة. لكن عددا من الملاحظين يشيرون إلى التزامن بين تحرك القطاع الثانوي وموجة الاحتجاج في مواقع مختلفة سياسية ومدنية ضد الميزانية ذاتها. ففي مجلس النواب ارتفعت أصوات كتل نيابية على رأسها الجبهة الشعبية منددة بهذه الميزانية بحجة أنها تفقر الطبقات الشعبية وأنها بإملاءات من الدوائر المالية الدولية من خلال صندوق النقد الدولي. أما في المجتمع المدني فقد نمت حركة احتجاجية تحت شعار "فاش نستناو". وتصاعد حضور هذه الحركة إعلاميا مع اقتراب إقرار الميزانية ثم اقتراب ذكرى الثورة (14 جانفي) بشكل يذكر بحركة تمرد المصرية ودورها في الانقلاب على ثورة 25 يناير. ومما شد انتباه المتابعين آنذاك التوارد في الخطاب بين القيادات النقابية لقطاع التعليم الثانوي وقيادات سياسية وأخرى مدنية تلتقي حول انتقاد الميزانية بل والدعوة إلى إسقاطها والتصعيد في التحركات الاحتجاجية. فقد ذهبت الهيئة الإدارية للتعليم الثانوي (يومي 10+11/01) أي قبيل ذكرى عيد الثورة (14/01/2018) بأيام، مباشرة إلى أقوى أسلحتها وهو حجب أعداد التلاميذ عن الإدارة لمنع عقد مجالس الأقسام. وفي نفس الفترة تصاعدت تحركات المنضوين في حملة "فاش نستناو" لتتحول إلى تأطير حركات الاحتجاج في الولايات والتي اتخذت أحيانا صبغة عنفية. ومن الطريف أن طرفا سياسيا حاضرا في المجلس النيابي وصوت على الميزانية حضر في احتفال الاتحاد العام التونسي للشغل وكان إلى جانب بعض الجمهور الحاضر من لون سياسي معين يرفع شعار "الشعب يريد إسقاط الميزانية". ولم يلبث نفس الجمهور أن رفع في وجه الأمين العام للاتحاد الذي كان يلقي خطاب الاحتفال شعار "اخرج من قرطاج" (المقصود "وثيقة قرطاج").

  • رهانات المكتب التنفيذي للمركزية النقابية:

تتداخل في تحديد توجهات المكتب التنفيذي من الأزمة الحالية جملة من الرهانات التي تتراوح بين الدور الوطني للمنظمة الشغيلة من ناحية وتوازناتها الداخلية من ناحية ثانية.

في المستوى الأول أي الدور الوطني للمنظمة الشغيلة يمكن الإشارة إلى أنها تجد نفسها بين مسؤولية المساهمة في إخراج البلاد من أزمتها من خلال المساهمة في وثيقة قرطاج وما يفرضه ذلك عليها من تحمل مسؤوليتها في ضبط تحركات منظوريها بشكل يمنح البلاد فرصة لملمة أوضاعها ومعالجة الأزمة وجذب الاستثمار الأجنبي بإشاعة جو من الاستقرار بدل الانشغال بمناوشات اجتماعية تستنزف جهود الوزارات. لكنها في المقابل كذلك تجد نفسها أمام واجب حماية قواعدها من خيارات جائرة تحملهم أعباء الخروج من الأزمة بدل توزيع عادل لتلك الأعباء. وتتأكد هذه الضغوط على المركزية النقابية في ظل المفاوضات الاجتماعية وهي على الأبواب. وبعيدا عن الآني، فإن الخيارات التنموية المستقبلية يعتبر تحديا آخر أمام المنظمة الشغيلة. فخيارات السلطة منذ أواسط الثمانينات وتحت ثقل الديون التي خلفتها التجارب التنموية لثلاثين سنة منذ الاستقلال وجدت نفسها مجبرة للخضوع إلى إملاءات الأوساط المالية الدولية المتدثرة بصندوق النقد الدولي في إطار ما عرف ببرنامج الإصلاح الهيكلي "الباس" (P.A.S.) (Programme d’Ajustement Structurel) الذي يفرض تحرير الاقتصاد والمبادلات بتخلي الدولة عن الدعم وخوصصة المؤسسات وخفض كتلة الأجور وتحرير العملة وغيرها من الإجراءات التي تعمق "لبرلة" (libéralisation) الاقتصاد. ولم يغير انقلاب 1987 من هذا التوجه بل عمقه. واليوم تجد الحكومة التي يقودها النداء نفسها تحت ضغط الأزمة مدفوعة إلى القبول بإملاءات صندوق النقد الدولي ذاتها القديمة المتجددة حتى تفي بالتزاماتها. وإحدى تلك الالتزامات كتلة الأجور التي تعتبرها الأوساط المالية المقرضة ضخمة وتطالب بالحد منها سواء بإيقاف الزيادات فيها أو بخفض عدد العاملين في الوظيفة العمومية. لكن هذا التوجه المتزايد نحو تحرير الاقتصاد، يناقض ما عرف عن المنظمة الشغيلة من نزعة "اشتراكية" تعمل على دعم القطاع العمومي والحفاظ عليه. وهو الخيار الذي لازمها منذ نشأتها وتجسم في أجلى مظاهره مع تزعم أحد قياداتها (الوزير أحمد بن صالح) لتطبيق تجربة التعاضد (الاشتراكية) خلال الستينات. وهي النزعة التي تدعمت باختراق العناصر اليسارية للمنظمة ودخولها إلى لجان تفكيرها والارتقاء في هياكلها تطبيقا لنظرية "التسرب" (l’entrisme) خاصة بعدما تعرضت له تلك العناصر من محاكمات نهاية الستينات. ولئن كان هذا التباين في التوجه وراء توتير العلاقة بين المنظمة الشغيلة والسلطة خلال السبعينات والثمانينات، فقد تقلص التوتر بعد انقلاب 1987 بجملة عوامل نشير منها إلى خلق فرز جديد تداخل فيه الاجتماعي والإيديولوجي قرب السلطة من المنظمة في مواجهة عدو آخر تقررت تصفيته. وفي ظل تلك المعركة وضعت شروط جديدة تنظم العلاقة بين السلطة والمنظمة. إذ أصبحت المفاوضات الاجتماعية تنتظم كل ثلاث سنوات في ظل التزام المنظمة بهدنة اجتماعية وتقوم خلالها السلطة بتوزيع جزء من الثروة المحققة على العمال مقسمة على السنوات الثلاث. لكن بعض الملاحظين يشيرون إلى أن هذا الانضباط من قبل المركزية النقابية لم يكن بعيدا عن بعض الأساليب الملتوية التي استقطبت بها السلطة قيادات نقابية عبر مكاسب شخصية وهو ما انكشف بعد الثورة. وتمكنت السلطة بذلك من تمرير الخيارات الصعبة بخوصصة عدد من المؤسسات وتقليص كتلة الأجور باعتماد سياسة المناولة بدل الانتداب وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي. لقد حررت الثورة القيادة النقابية من تلك الأساليب وأعطتها الفرصة لتعيد تصحيح بوصلتها. واليوم تجد نفسها في مواجهة نفس الإملاءات مجددا. فيرتفع صوتها بمعارضة التفويت في المؤسسات العمومية. وتنتصب مدافعة عن القطاع العمومي في وجه المنوال التنموي الليبرالي من منطلق توجهها التقليدي المشار إليه سابقا.لكن هذا العلو في الصوت بعد الثورة بعد خفوته قبلها يعد بذاته مؤشرا عن انكسار الاتفاق الذي نظم العلاقة بين السلطة والمنظمة. وهو ليس بعيدا عن التوازنات الداخلية للمنظمة ذاتها. ففي المؤتمر الأخير للمنظمة الشغيلة يمكن التوقف عند مسألتين: تركيبة المكتب التنفيذي من ناحية، وعدد الدورات في المكتب التنفيذي من ناحية ثانية.

في المسألة الأولى، يمكن القول إن العمل الدؤوب لبعض التيارات السياسية توج بتقاسمها الهيمنة على المركزية النقابية. واللافت أن هذه التيارات هي ذاتها المكونة لتيار سياسي معارض وهو الجبهة الشعبية. فإذا استثنينا الأمين العام والأمين العام المساعد المكلف بالنظام فإن بقية الأعضاء الأحد عشر يتوزعون على الأحزاب اليسارية والقومية المكونة للجبهة الشعبية،وخاصة الحزب الوطني الديموقراطي (الوطد)، حزب العمل الوطني الديموقراطي (العود)، حزب العمال، حركة الشعب. فلا غرابة إذن أن تكون توجهات المركزية النقابية مناهضة لتحرير الاقتصاد التونسي باعتبار خلفية هذه الأحزاب، ولا عجب كذلك في التناغم بين توجهات المنظمة النقابية وخيارات الجبهة الشعبية في التعاطي مع الأوضاع الداخلية. وقد يتساءل البعض عن مدى قدرة الأمين العام ذي التوجه العاشوري المستقل عن الأحزاب في تعديل توجهات المركزية النقابية. لكن هذا الدور التعديلي محكوم بدوره برهان آخر هو إجماع المكتب على زعامته. وهو إجماع محكوم بدوره بمدى توافقه مع توجهات أولئك الأعضاء. ويتأكد هذا الرهان بالنظر إلى المسألة الثانية المشار إليها سابقا.

ففي المؤتمر عدد 22 (أيام 25 إلى 28 ديسمبر 2011) المنعقد بطبرقة، أقر المؤتمرون فصلا يمنع تولي عضوية المكتب التنفيذي لأكثر من دورتين متتاليتين. وقد سعى البعض خلال المؤتمر 23 الأخير (جانفي 2018) إلى تعديله دون جدوى. ويقول بعض المطلعين على كواليس المنظمة الشغيلة أن هناك مساعيا لتدارك الأمر من خلال مؤتمر استثنائي يخصص لهذه المسألة بالذات تحت ذريعة عدم إفراغ المنظمة من خبراتها. فتسعة أعضاء (نور الدين الطبوبي، كمال سعد، بوعلي المباركي، حفيظ حفيظ، سامي الطاهري، محمد المسلمي، عبد الكريم جراد، أنور بن قدور، سمير الشفي) من ثلاثة عشر عضوا مهددون بإنهاء مهامهم في قيادة الاتحاد. ويتطلب تمرير هذا التعديل تكاتف مختلف الأعضاء بما في ذلك الأمين العام الحالي الذي يطمح إلى تمديد ولايته. ويستوجب ذلك عدم خروجه عن بقية أعضاء المكتب بما في ذلك التزامه بتوجهات المنظمة فيما يتعلق بالخيارات الكبرى للبلاد. ولئن كان هذا القانون يهدد فعلا بإزاحة عدد من خبرات الاتحاد فإنه في المقابل يدخل حركية على هياكله ويسمح بتجديدها بسرعة أكبر ويفتح الأبواب أمام القيادات الوسطى والشابة للارتقاء داخل الهياكل النقابية. وهو ما ينقلنا إلى مستوى آخر من الرهانات، رهانات بعض القيادات الوسطى ومن بينها قيادات التعليم الثانوي من أجل الارتقاء إلى المركزية النقابية.

  • رهانات جامعة التعليم الثانوي:

تنتمي قيادات الجامعة العامة للتعليم الثانوي عن بكرة أبيها إلى أحزاب الجبهة الشعبية. وهي من هذه الناحية تتماهى في خياراتها وتحركاتها مع التوجهات العامة للجبهة. ومن هنا يمكن أن نفهم سلوكها التصعيدي طيلة السنوات السبعة من الثورة في مواجهة الحكومات المختلفة منذ انتخابات المجلس التأسيسي. وبالتخصيص على المواجهة الحالية نذكر بما أشرنا إليه سابقا حول تزامنها وتصاعدها مع تطورات مناقشة الميزانية وإقرارها وتطبيقها. وهو توجه يتماهى مع توجهات الأحزاب المكونة للجبهة. الأمر الذي جعل البعض يؤكد على توظيف تلك الأحزاب لمطالب الأجراء وهياكل المنظمة الشغيلة في خدمة أجندتها.

لكن رهانات أخرى تحضر في سلوك قيادات جامعة التعليم الثانوي. ولعل أبرزها ما يتعلق بطموحات الكاتب العام الأسعد البعقوبي. فقد أظهر في المؤتمر الأخير للاتحاد العام التونسي للشغل (المؤتمر 23) طموحه لعضوية المكتب التنفيذي المركزي. وترشح في القائمة المضادة لقائمة الأمين العام الحالي. والمتوقع أنه يعول على الفصل الذي يحدد عدد الدورات في المكتب التنفيذي بمرتين فحسب من النظام الداخلي لتحقيق حلمه. كما أن رهانا آخر قريبا يداهمه وهو مؤتمر الجامعة العامة للتعليم الثانوي وما يرتقبه من منافسة. لذلك يرى بعض الملاحظين أن هذا التصعيد هو في بعض خلفياته من أجل تأمين موقعه الحالي والتجديد له مستقبلا من خلال إنجازٍ ما للقواعد الأستاذية، ومن أجل تأمين موطئ قدم في المكتب التنفيذي المركزي القادم.

  1. الرهانات السياسية:

بدأت الساحة السياسية تتمحور مع انطلاقة السنة السياسية حول الميزانية والإجراءات المؤلمة الضرورية لإنقاذ الصناديق الاجتماعية.ومع اقتراب موعد الانتخابات البلدية توسعت دائرة المناورات السياسية وعاد خطاب التخويف من هيمنة أطراف سياسية بعينها على هذه الساحة. ولم يعد ممكنا تأجيل هذه الانتخابات بعد سلسلة من التأجيلات لعدم استعداد جملة من الأحزاب التي اضطرت أخيرا إلى أن تواجه الحقيقة، حقيقة محدودية انتشارها المجالي والاجتماعي. ومع اقتراب هذا الموعد تزداد حدة التوتر في الخطاب السياسي والإعلامي. وتنفتح أبواب الإشاعة عن تعطيل الانتخابات البلدية. وفي هذا السياق المتوتر تنطلق دعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل بضرورة إحداث تعديل وزاري. وردت الأحزاب الرئيسية المكونة للتحالف الحاكم بضرورة تأجيل هذا التحوير إلى ما بعد الانتخابات البلدية. وهكذا تحول التحوير إلى نقطة تجاذب بين المنظمة الشغيلة والسلطة السياسية. ويفتح إصرار المنظمة النقابية على التحوير الأبواب أمام التكهنات والتحليلات المختلفة. فالمنظمة تبرر مطلبها بضرورة ضخ دماء جديدة في الحكومة لإعطائها نجاعة أكبر في مواجهة الأزمة. والأطراف المعارضة تحتج بأن التحوير سيعطل الاستحقاق الانتخابي. ويزيد من حرج الموقف النقابي ما صرح به بعض أعضاء المنظمة بصعوبة التعامل مع وزراء بعينهم مثل وزير التكنولوجيا. وهو ما اعتبره البعض استهدافا لأطراف سياسية بعينها. وهو الأمر الذي يراه البعض حجة أخرى على توظيف بعض الأطراف الحزبية لمواقعها النقابية في فرض خياراتها السياسية حين عجزت عنه في مواقعه السياسية الطبيعية (البرلمان). بل إن البعض لم يفصل بين تطور الأزمة بين المنظمة الشغيلة والحكومة واتهام رئيس الحكومة لطرف سياسي بعينه بالوقوف وراء أحداث الفوضى والاحتجاجات الليلية التي رافقت ذكرى 14 جانفي ورفعت شعار فاش نستناو. واعتبر البعض أن المطالبة بالتحوير هو معاقبة له على ذلك الموقف من تلك الأطراف. وهو ما يصب في نفس التحليل الذي يعتبر المنظمة رهينة التوظيف السياسي.

ويذهب البعض إلى أن إصرار الطرف النقابي على التحوير قبل الانتخابات ينطوي على رهان سياسي بعيد يتجاوز الآني ويتمثل في إعادة تشكيل الحكومة على أساس توازنات انتخابات 2014، باعتبار تخوف بعض الأطراف النافذة داخل المنظمة من أن تعيد الانتخابات البلدية تشكيل المشهد السياسي بطريقة مختلفة. والخوف الأكبر الذي تدخلت أطراف خارجية في تغذيته هو عودة النهضة إلى صدارة المشهد السياسي خاصة وأن هذه الانتخابات تجري على أساس المعطيات المحلية لا البرامج الحزبية الكبرى مثل العلاقات الأسرية ومقبولية الأشخاص المرشحين في محيطهم ومدى نزاهتهم. وتستغل بعض الأطراف نجاح حزب النهضة، وحده، في تغطية كافة الدوائر عن بكرة أبيها بقائمات تستجيب إلى شروط القانون الانتخابي القاسي، لتعميق تلك المخاوف. يثير توارد مختلف هذه المعطيات المخاوف من انسداد الوضع السياسي وتحول موضوع الحكومة إلى محل لي ذراع بين المنظمة الشغيلة والسلطة. وحينها يمكن أن يتحول ملف التعليم الثانوي إلى عقدة على طاولة المفاوضات وموضوع مساومة ومناورة بدل أن يكون موضع حل. وهذا ما يراه البعض مظهرا آخر لتوظيف بعض الأطراف لمطالب الشغيلة في الصراع السياسي وفي فرض خياراتها السياسية (معارضة الميزانية والمنوال التنموي...). ويرى البعض أن هذه الأطراف تعاقب الحزب القائد للتحالف الحاكم على "خيانته" لوعوده الانتخابية و"خديعته الانتخابية" باعتماد التصويت النفعي (Le vote utile) من أجل إقصاء طرف سياسي بعينه ثم التحالف مع ذلك الطرف.

وفي المقابل، يثير سلوك وزارة التربية ومن ورائها الحكومة تجاه مطالب قطاع الثانوي أسئلة حول التصلب رغم المخاطر التي تحف بالسنة الدراسية وهي على مشارف نهايتها (التخوف من سنة بيضاء) وبالامتحانات الوطنية وهي على الأبواب. في الحقيقة تبدو السلطة في هذا السلوك كمن يريد استرجاع هيبة ضائعة، ومن يريد تدارك خطإٍ فاته. فبعد الثورة أطلقت المنظومة القديمة العنان لكل مراكز نفوذها لإجهاض الثورة. واعتبرت النقابات (مع الإعلام) أحد أكثر أسلحتها فتكا بالثورة من خلال إشاعة الروح المطلبية الأنانية واستسهال تعطيل العمل دون محاسبة. و لما عادت بعد انتخابات 2014، اعتقدت أنها ستستعيد زمام الأمور. لكنها اكتشفت يوما بعد يوم أن إطلاق المارد من قمقمه أيسر بكثير من إعادته إليه. وقد كشفت لها نتائج المواجهة بين نقابات وزارة التربية ووزير التربية السابق بالذات (السيد ناجي جلول) فداحة ما ارتكبته تجاه الدولة والمجتمع بذلك الخيار التدميري. وهي اليوم تجني ما زرعته. لذلك تحاول أن تبدي من الصرامة ما يذكر الطرف النقابي بضرورة استعادة الأعراف الناظمة لعلاقتهما، وأنها لم تعد مستعدة للابتزاز، وأن الوزير السابق يجب أن يكون آخر الضحايا، وأن عصرا جديدا بدأ، عصر الدولة القوية التي لا تخشى الابتزاز والضغط. فإلى جانب سياسة "التطنيش" والشرط المسبق برفع حجب الأعداد للتفاوض (والتفاوض فحسب وليس للاستجابة للمطالب)، عمدت المنظومة العائدة إلى إطلاق يد الإعلام التابع لها وماكينتها الدعائية الاجتماعية لشيطنة رجال التربية ونقابتهم وتخصيص كاتبها العام الأسعد اليعقوبي بنصيب غير يسير من تلك الشيطنة فارضة بذلك ضغطا من الرأي العام على الهياكل النقابية. ومزجت ذلك بأساليب الترهيب الموجهة للقاعدة الأستاذية عبر التهديد باقتطاع أجور الحاجبين للأعداد بعد أن أعادت الاقتطاع عن الإضرابات. فنقلت بذلك النقاش إلى داخل القطاع وخلقت وضعا محرجا للهياكل النقابية.

وقد راهنت السلطة بداية على المركزية النقابية في ضبط الهياكل النقابية الوسطى، ومنها جامعة الثانوي، من خلال انخراطها في وثيقة قرطاج. وفعلا فقد فرضت جامعة الثانوي على المركزية النقابية تحديا من هذه الزاوية حين بادرت إلى رفع سقف التصعيد بالذهاب إلى الأقصى(حجب الأعداد) حينما كانت المركزية تشارك في صياغة حلول للصناديق الاجتماعية وصمتت على الإجراءات المالية لتحقيق التوازنات المالية مثل اقتطاع 1% من أجور الموظفين بعنوان المساهمة الاجتماعية التضامنية. وشاع أنها وافقت على رفع سن التقاعد إلى 62 سنة مرحليا، في انتظار أن يرتفع إلى 65 سنة لاحقا مثلما هو حاصل في بقية العالم. وهو أمر يناقض مطلبا رئيسيا من مطالب الثانوي (مشقة المهنة وسن التقاعد الاختياري على قاعدة 55\30).ويشير بعض العارفين بكواليس المنظمة إلى أن ذلك أحرج المركزية النقابية التي حاولت إخفاء المسألة لكنها طالبت في المقابل جامعة التعليم الثانوي بترحيل ملف المفاوضات إليها أي أن تفاوض هي بدل الجامعة مع ما يعنيه ذلك من سلب قيادة الثانوي ورقة هامة للشرعية وما يمكن أن تنتهي إليه المفاوضات من نتائج غير مُرْضِية للقطاع. وهو ما رفضته الجامعة. لكنها في المقابل تجد نفسها تحت ضغط المركزية النقابية التي تناور معها عبر تهديدها برفع الحماية عنها. ففي الهيئة الإدارية قبل الأخيرة امتنع ممثل المركزية النقابية السيد سمير الشفي عن توقيع اللائحة المهنية وهو ما يعني تحويل الهيئة الإدارية إلى لقاء جهات (أي أقل مستوى من الهيئة الإدارية) وفقدان الغطاء الشرعي والقانوني لمقرراتها. وهو ما تكرر مع الهيئة الإدارية الأخيرة (3 أفريل) التي اضطرت أن تكتفي بإصدار بيانين بتاريخ 3 و13 أفريل مُوقَّعَيْن من الكاتب العام لجامعة التعليم الثانوي فحسب.

وأمام تصاعد محاور الاحتكاك بين الحكومة والمركزية النقابية، المحكومة بدورها بالرهانات التي عرضناها سابقا، وجدت هذه الأخيرة نفسها مضطرة إلى أن تصطف إلى جانب جامعة الثانوي وتعلن مساندتها لمطالب رجال التعليم مع السعي إلى إيجاد مخرج للأزمة عبر مفاوضات مباشرة مع الحكومة. وهو ما يعني عمليا سحب ملف المفاوضات من الجامعة التي تبدو تائهة وخائفة من المستوى الذي وصلته الأزمة والذي يبدو أنها لم تكن تتوقعه. وهو ما يشير إليه البعض من خلال قرارات الهيئة الإدارية الأخيرة (03/04/2018) التي أبقت على أعمالها مفتوحة وفي حالة انعقاد دائم لمدة 10 أيام. وقد استنتج البعض من عدم اللجوء إلى التصعيد أثَرَ حضور الأمين العام نفسه في افتتاح الهيئة وإدراك الجامعة لما وصلته الأزمة من انسداد في الأفق والورطة التي أوصلت إليها القطاع. كما يعكس تأجيل القرار تفويض المركزية النقابية بإجراء الاتصالات لإيجاد الحلول وهو ما يؤكد "ترحيل الملف".

في الأيام الأخيرة، يتمنع الحل عن الظهور كلما بدا قريبا. ففي نهاية شهر مارس (يوم 26) بشر الأمين العام للمنظمة النقابية الأسر التونسية بحل قريب بعد لقاء ليلي مع وزراء التربية والمالية والشؤون الاجتماعية. وتفيد بعض المعلومات المسربة أن اللقاء تمخض عن بعض الحلول مثل الإقرار بمشقة مهنة التعليم وتخفيض سن التقاعد على قاعدة 57\32 (بدل 50\30) مع تنفيل الدولة للأساتذة بدفع مقابل ثلاث سنوات لصالح صندوق التقاعد (بدل 5) ومضاعفة منحة العودة المدرسية وتمكين الأساتذة من المنحة الخصوصية التي استثنوا منها بموجب اتفاق 6 أفريل 2016 والحديث عن سلم جديد لترقيات مهنية تحفيزية مواز لسلم الترقيات المهنية العادية. لكن لم ينجل صبح اليوم الموالي حتى ذابت البشرى وعادت الأزمة إلى نقطة الصفر عندما أعلن وزير التربية التمسك بشرطه للتفاوض (رفع حجب الأعداد). وبدا الأمر وكأنه تقاذف لكرة إفشال المفاوضات بين الطرفين الحكومي والنقابي في معركة كسر عظم يخسر فيها من يصرخ أولا. وفي بداية الشهر الحالي جرت اتصالات بين المنظمة النقابية والرئاسات الثلاث في محاولة لإيجاد مخرج ينقذ السنة الدراسية التي أعلنت كل الأطراف أنها خط أحمر. وهو ما يتم فعلا من خلال الاتصال برئاسة الجمهورية للضغط على الحكومة وتوج بلقاء خماسي بين الرئاسات الثلاثة ومنظمتي العمال والأعراف. وما رشح عن المساعي الحاصلة هو استعداد الحكومة للاستجابة لمطالب الأساتذة مقابل هدنة اجتماعية بخمس سنوات. (وهو ما تعتبره القواعد الأستاذية مهينا وتقييدا للقطاع في ظل تراجع سريع للمقدرة الشرائية). ومع اقتراب نهاية الفترة المفتوحة للهيئة الإدارية يجد قطاع التعليم نفسه مدفوعا نحو تجاوز الخطوط الحمراء. واستشعارا منها لخطورة الوضعية دعت الجامعة العامة هياكلها الوسطى إلى عقد ندوات إطارات نقابية والاتصال بالقواعد الأستاذية لتعبئتها لخوض معركة قاسية (بيان الهيئة الإدارية بتاريخ 03/04/2018). وهو ما تأكد من قرارات الهيئة الإدارية القطاعية (بيان 13/04/2018) التي قررت تعليق الدروس بداية من 17/04/2018 حتى الوصول إلى اتفاق شامل.  وتبدو علامات الحيرة من مآلات الأزمة بادية من خلال السؤال الذي يتردد على أفواه الجميع، مربين وأولياء وحتى نقابيين: وماذا بعد؟

خاتمة

قبل شهر من إنجاز الانتخابات البلدية، وعلى أبواب الامتحانات الوطنية التي يعلن الجميع أنها خط أحمر، تبدو أزمة مفاوضات التعليم الثانوي مدخلا لمخاطر عديدة إن لم تتوصل كل الأطراف إلى تقدير تلك المخاطر وأثرها على مستقبل البلاد كله. ومع بداية الاختبارات الوطنية هذا الشهر باختبار الرياضة تبدو الخطوط الحمراء على مرأى من الجميع. وقد برع التونسيون في الأزمات الكبرى السابقة بعد الثورة في إيجاد حلول اللحظات الأخيرة. لكن تلك الحلول كانت بفضل وجود أطراف تعلي المصلحة الوطنية على مصالحها الحزبية. فهل فيمن يتواجهون اليوم من يقدم على مثل تلك التضحية ويعتبر أن انتصار الوطن انتصار له؟

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك