القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

أزمة تشكيل الحكومة في المغرب: الأسباب وسيناريوهات المستقبل

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-03-08 12:50:12 | 164 مشاهدة
 
ملخص
يعيش المغرب منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة على وقع أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخه، وهي أزمة وإن كان ظاهرها هو الاختلاف بين رئيس الحكومة المكلف والأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد "عبد الإله بنكيران" والرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار السيد "عزيز أخنوش" حول مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة من عدمها، إلا أنها أزمة تعكس تدافعا قويا بين تيارين، الأول تيار سلطوي-تحكمي يحاول بعد فشله في الفوز في الانتخابات عرقلة تشكيل الحكومة، والإيحاء بثانوية الإرادة الشعبية في تشكيل الحكومة، وعقاب حزب العدالة والتنمية على مواقفه المناهضة للسلطوية والاستبداد وعلى استقلالية قراره السياسي، وهو تيار يريد إغلاق قوس الإصلاحات التي باشرها المغرب منذ سنة 2011؛ في مقابل تيار ديمقراطي يدافع عن الإرادة الشعبية وحرية الناس في اختيار من يدير شؤونه، ويرفض التفريط في المكتسبات التي تم تحقيقها منذ اندلاع انتفاضات الربيع الديمقراطي.وأمام حالة التعثر التي تشهدها المشاورات الحكومية، سيكون المستقبل مفتوحا على ثلاث سيناريوهات ممكنة، فإما تشكيل الحكومة بالاستجابة لمطلب رئيس الحكومة بإبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من الحكومة المراد تشكيلها كسيناريو أول، أو اللجوء لخيار الانتخابات السابقة لأوانها كخيار ثاني، أما السيناريو الثالث فهو عودة حزب العدالة والتنمية لموقع المعارضة.
  
مقدّمة 
بالرغم من مرور ما يقارب خمسة أشهر على الانتخابات التشريعية في المغرب، إلا أن رئيس الحكومة المغربية المكلف والأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد "عبد الإله بنكيران" لم يتمكن بعد من تشكيل الحكومة. فلأول مرة في تاريخ المغرب الحديث يتعثر تشكيل الحكومة بهذا الشكل، بحيث كانت عملية تشكيل الحكومات السابقة لا تستغرق كل هذا الوقت، وحتى عندما تم تشكيل حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي انتقل من المعارضة لترأس الحكومة تدخل الملك الراحل الحسن الثاني من أجل تسهيل تشكيل الحكومة بقيادة زعيم الحزب السيد عبد الرحمان اليوسفي.
فما هي الأسباب التي تحول دون تشكيل الحكومة المغربية لحد الساعة؟ وما هي سيناريوهات الأزمة؟
أولا: تركيبة البرلمان المغربي
يتكون البرلمان المغربي من مجلسين، المجلس الأول هو مجلس النواب الذي ينتخب مباشرة من طرف الشعب المغربي ويتكون من 395 نائبا برلمانيا، والمجلس الثاني هو مجلس المستشارين ويتم انتخابه بطريقة غير مباشرة من خلال المنتخبين على مستوى الجماعات المحلية والجهات وممثلي المهنيين والمأجورين؛ ومنذ إقرار الدستور المغربي الجديد سنة 2011 أصبح البرلمان بمجلسيه (النواب والمستشارين) الجهة الوحيدة المكلفة بالتشريع بالمغرب، مع إعطاء الكلمة الفصل لمجلس النواب، ومع الإشارة إلى أن تشكيل الحكومة وتنصيبها وإسقاطها يتم من خلال مجلس النواب وحده دون مجلس المستشارين. وبتاريخ 7 أكتوبر 2016 تم إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب، وهي ثاني انتخابات تشريعية يتم إجرائها بعد الإصلاحات الدستورية لسنة 2011. ومن أصل 28 حزبا سياسيا شارك في الانتخابات التشريعية الأخيرة لاختيار أعضاء مجلس النواب استطاع 12 حزبا فقط الحصول على مقاعد بمجلس النواب، وقد كانت نتائج الأحزاب السياسية على الشكل التالي:
-         حزب العدالة والتنمية 125 مقعدا؛
-         حزب الأصالة والمعاصرة 102 مقعدا؛
-        حزب الاستقلال 46 مقعدا؛
-        التجمع لوطني للأحرار 37 مقعدا؛
-        الحركة الشعبية 27 مقعدا؛
-        حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 20 مقعدا؛
-        حزب الاتحاد الدستوري 19 مقعدا؛
-        حزب التقدم والاشتراكية 12 مقعدا؛
-        فيدرالية اليسار الديمقراطي مقعدين؛
-        الحركة الديمقراطية الاجتماعية مقعدين؛
-        الوحدة والديمقراطية مقعد واحد؛
-        اليسار الأخضر المغربي مقعد واحد.
ومباشرة بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات كلف الملك محمد السادس السيد عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة الجديدة، وأوجب الدستور الجديد ضرورة حصول الحكومة على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وهو ما يستوجب الحصول على تأييد 198 نائبا برلمانيا.
ثانيا: أسباب الأزمة الحكومية
تتجلى الأسباب المعلنة للأزمة الحكومية بالمغرب في خلافات بين الأحزاب السياسية حول المشاركة في الحكومة من عدمها؛ وبالأخص الخلاف بين رئيس الحكومة المكلف "عبد الإله بنكيران" والرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار السيد "عزيز أخنوش" وزير الفلاحة في الحكومة المنتهية ولايتها.ففي حين يرفض "عبد الإله بنكيران" مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة الجديدة، يصر "عزيز أخنوش" على ضرورة انضمام الحزب للحكومة المراد تشكيلها. ومن القضايا التي تثير كثير اهتمام واستغراب هي رغبة كل الأحزاب –باستثناء الأصالة والمعاصرة التي اعتبره العدالة والتنمية خطا أحمر لا يمكن التحالف معه- في الانضمام للحكومة وإصرارها على عدم التموقع في المعارضة، بالرغم من أن الملك محمد السادس حث في خطاب ألقاه  من مدينة "دكار" السنغالية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء على ضرورة تشكيل حكومة منسجمة وقوية، وهو طرح أيدته جل الأحزاب في بياناتها وبلاغاتها الحزبية. وقبل الوصول للأزمة الحالية التي تعيق تشكيل الحكومة المغربية، والتي تتلخص ظاهريا في مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكومة من عدمها، عرف مسلسل المشاورات الحكومية مجموعة من المحطات البارزة. فمباشرة بعد التكليف الملكي لعبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة، أعلن هذا الأخير تمسكه بالأغلبية السابقة التي كانت مشكلة بالإضافة لحزب العدالة والتنمية من أحزاب التجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، وهذه الأحزاب مجتمعة تتوفر على 201 نائب برلماني، وهو ما يمكن الحكومة من الحصول على النسبة المطلوبة دستوريا لتنصيبها برلمانيا؛ لكن إعلان "صلاح الدين مزوار" وزير الخارجية المغربي قبل يوم واحد من التكليف الملكي لبنكيران استقالته من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وإصدار الحزب لبيان صحفي يومين بعد تعيين بنكيران رئيسا للحكومة يعلن فيه عدم مشاركة الحزب في الحكومة إلا إذا توفرت الشروط اللازمة، والإعلان عن الدخول في تنسيق برلماني مع حزب الاتحاد الدستوري، سيشكل أولى المحطات الممهدة للأزمة الحكومية الحالية. وقد شكل انتخاب وزير الفلاحة المغربي "عزيز أخنوش" رئيسا جديدا لحزب التجمع الوطني للأحرار مؤشرا دالا على صعوبة المشاورات التي ستعترض طريق تشكيل الحكومة؛ فبالرغم من انتظار رئيس الحكومة لمؤتمر حزب التجمع الوطني للأحرار الذي اختار رئيسا جديدا، إلا أن المعلومات التي سربت من اللقاء الأول الذي جمع بين "عزيز أخنوش" بعد اختياره رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار و"عبد الإله بنكيران"، والاشتراطات التي اشترطها أخنوش على رئيس الحكومة للمشاركة في الحكومة، ستعقد المشاورات الحكومية، حيث اشترط أخنوش على "بنكيران" استبعاد حزب الاستقلال من المشاركة الحكومية ، وعدم برمجة الحكومة لمشروع الدعم المالي المخصص للفئات الفقيرة؛ وجاء موقف "أخنوش" الرافض لمشاركة حزب الاستقلال بالرغم من أن هذا الأخير أعلن موافقته اللامشروطة على المشاركة في حكومة "بنكيران"، وقد ازداد الأمر تعقيدا بعد الموقف المفاجئ لحزب الحركة الشعبية الحليف السابق للعدالة والتنمية في الحكومة المنتهية ولايتها، والذي أعلن وقوفه خلف "عزيز أخنوش" في رفضه مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة المراد تشكيلها، بحيث كانت مشاركة الحركة الشعبية إلى جانب حزب الاستقلال ستمكن رئيس الحكومة من توفير الأغلبية المطلقة بمجلس النواب لتنصيب الحكومة بما مجموعه 210 نائبا برلمانيا؛ كما أن الموقف الضبابي وغير الواضح لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من المشاركة الحكومية إبان فترة المشاورات الأولية التي أجراها رئيس الحكومة مع الأحزاب الممثلة بمجلس النواب عقد هو الآخر من مهمة تشكيل الحكومة، خصوصا أن قيادة  الاتحاد الاشتراكي أعلنت في لقاء مشترك مع قيادة حزب الاستقلال أن موقفهم من المشاركة في الحكومة مرتبط بموقف حزب الاستقلال. وأمام الانتقادات القوية التي وجهت "لحميد شباط" الأمين العام لحزب الاستقلال بسبب تصريحاته التي قال فيها بأن موريتانيا كانت تاريخيا جزءا من المغرب، خصوصا الانتقادات التي جاءت في بيان وزارة الخارجية المغربية الذي اعتبرت فيه الوزارة أن تصريحات "شباط" تخدم أعداء الوطن، وأنها جاءت في وقت حساس كان المغرب يستعد فيه للعودة للإتحاد الإفريقي، كما أن قيادات تاريخية لحزب الاستقلال وفي مقدمتهم الأمينين العامين الأسبقين للحزب انتقدوا تصريحات شباط وطالبوه بالتنحي عن منصب الأمين العام للحزب؛ وأمام هذه الردود القوية اضطر "عبد الإله بنكيران" للتخلي عن مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة، لاسيما أن الملك محمد السادس كلف "بنكيران" شخصيا بالسفر لموريتانيا لملاقاة رئيسها "محمد ولد عبد العزيز" لتبديد سوء الفهم الذي خلفته تصريحات "شباط" حول تبعية موريتانيا للمغرب.  ولكن بالرغم من تخلي "بنكيران" عن حزب الاستقلال، وإصدار الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بيانا تعلن فيه حصر المشاورات الحكومية في الأحزاب التي كانت تشكل الأغلبية في الحكومة السابقة، إلا أن التجمع الوطني للأحرار بمعية أحزاب الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الدستوري أصدروا بيانا أعلنوا فيه تشبثهم بالمشاركة في الحكومة، ودعوا رئيس الحكومة للاستمرار في المشاورات الحكومية مع الأحزاب الأربعة؛ غير أن رد بنكيران لم يتأخر، حيث أصدر بعد ساعات قليلة من البيان الرباعي بيانا يعلن فيه وقف المشاورات مع حزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية. وبعد فترة توقف للمشاورات الحكومية، ستتجدد المشاورات بعد طلب العاهل المغربي من البرلمان المصادقة على ميثاق الاتحاد الإفريقي، وهو ما فرض انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب؛ وبالرغم من طلب رئيس الحكومة من "عزيز أخنوش" تقديم مرشح من حزبه لرئاسة مجلس النواب، إلا أن هذا الأخير رفض وأصر على دعم القيادي بحزب الاتحاد الاشتراكي "الحبيب المالكي" لتولي منصب رئيس المجلس، وهو ما تأتى بعد قرار العدالة والتنمية رفقة حزب التقدم والاشتراكية عدم تقديم مرشح لرئاسة المجلس والتصويت بالورقة البيضاء على "الحبيب المالكي"، وانسحاب حزب الاستقلال من جلسة التصويت احتاجا على الطريقة التي تم بها تدبير اختيار رئيس مجلس النواب. هذه هي الأسباب الظاهرة لأزمة تشكيل الحكومة بالمغرب، غير أن الأسباب الحقيقية لتعذر تشكيل الحكومة لا علاقة لها بما سبق. فلو كان السبب الحقيقي هو إبعاد حزب الاستقلال من الحكومة المرتقبة، لتم تشكيلها بعد إعلان رئيس الحكومة حصر المشاورات في أحزاب الأغلبية السابقة، مع الإشارة إلى أن الصحافة تتحدث الآن عن مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة المرتقبة في حال تنحي "حميد شباط" عن قيادة الحزب، خصوصا في حال اختيار "نزار بركة" وزير المالية السابق ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لقيادة حزب الاستقلال، مما يعني أن "الفيتو" الذي رفع في وجه مشاركة حزب الاستقلال، كان الهدف الرئيس منه عرقلة تشكيل الحكومة لا غير، ومعاقبة أمينه العام الذي رفض مخطط حزب الأصالة والمعاصرة لمنع حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة، من خلال توجيه رسالة للعاهل المغربي موقعة من أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يعلنون فيها رفضهم الانضمام لحكومة بقيادة العدالة والتنمية،  وهو المخطط الذي سمي "بمؤامرة 8 أكتوبر".
ويمكن تعداد الأسباب الحقيقية التي تعيق تشكيل الحكومة في:
-        تبخيس الإرادة الشعبية:
 وذلك من خلال الالتفاف على النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع في 7 أكتوبر 2016، وإظهار عجز صندوق الانتخابات عن إفراز أغلبية حكومية بدون تدخل الجهات العميقة بالدولة، التي تريد إرسال رسائل مفادها أنها هي المتحكم في المشهد السياسي، وأن صندوق الانتخابات له دور ثانوي فقط في تشكيل الحكومة.
-        إفشال أو على الأقل تعسير مهمة حزب العدالة والتنمية وأمينه العام "عبد الإله
بنكيران" في تشكيل الحكومة:
وذلك عقابا له على تشبثه باستقلالية قراره الحزبي، وحتى لا يشجع ذلك بقية الأحزاب على السير على منهج العدالة والتنمية في هذا الإطار، وهو ما بدأ مع حزب الاستقلال الذي يخوض مواجهة مع وزارة الداخلية وعدة أطراف في الدولة، دفاعا عن استقلالية قراره الحزبي؛ وكذلك عقابا "لبنكيران" على مواقفه وتصريحاته القوية التي صدرت عنه طيلة فترة رئاسته للحكومة، والتي كان أقواها حديثه عن وجود دوليتين بالمغرب، وحديثه المستمر ومن داخل مؤسسة البرلمان عن الخطر الذي يشكله تيار التحكم –الدولة العميقة- على استقرار الوطن ومستقبله.كما أن من أهداف عرقلة تشكيل الحكومة، مواجهة الارتفاع الكبير في شعبية حزب العدالة والتنمية، والتي تجسدت في الانتخابات المحلية سنة 2015 بسيطرة الحزب على كل المدن الكبرى والغالبية الساحقة من المدن المتوسطة والصغيرة، وتأكدت من خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث استطاع الحزب الزيادة في عدد مقاعده البرلمانية وعدد الأصوات المحصل عليها، بالرغم من الحملة الإعلامية الكبيرة التي شنها خصوم الحزب ضده، وبالرغم من الهجوم التي تعرض له الحزب من قبل وزارة الداخلية، ومساندة أطراف في الدولة لحزب الأصالة والمعاصرة من أجل فوزه في الانتخابات الأخيرة. والخطة المتبعة في هذا الإطار هي محاولة "الإذلال والإهانة"، فالهدف من أزمة تشكيل الحكومة هو دفع حزب العدالة والتنمية وأمينه العام لتقديم المزيد من التنازلات، لإظهاره بمظهر الضعيف أمام خصومه، والعاجز عن الدفاع عن نتائج صندوق الاقتراع، وبالتالي دفع فئة عريضة من مسانديه إلى التخلي عن دعمه في المحطات الانتخابية القادمة.
وقد كان جواب الحزب على خطة الإذلال هذه سريعا، حيث صرح "عبد الإله بنكيران" أن محاولة إهانته وإهانة  حزبه لن تنجح، وأصدر الحزب عدة بلاغات آخرها بتاريخ 2 مارس يعلن فيها أن تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يكون على حساب مصداقية العمل السياسي، وأن الحزب لا يزال متشبثا بحصر الأحزاب المرشحة للمشاركة في الحكومة في أحزاب الأغلبية السابقة، كما أعلن "بنكيران" عن استعداد الحزب للعودة للمعارضة، وأنه ينتظر عودة الملك من جولته الإفريقية ليخبره بمآل مشاوراته الحكومية، بل إنه صرح في أحد اللقاءات عن استعداده حتى لحل الحزب إذا تطلب الأمر ذلك.   
-        تقزيم دور مؤسسة رئاسة الحكومة:
من أهم الإصلاحات التي تم إقرارها في دستور 2011، هي تخويل الحكومة سلطات تنفيذية واسعة، بحيث انتقلت الكثير من سلطات الملك إلى رئيس الحكومة، كما أن هذا الأخير أصبح غير قابل للعزل أو الإقالة، وأصبح من اختصاصاته الدعوة لتعديل الدستور، وهو من يقترح أعضاء حكومته، وله الحق في المطالبة بإقالتهم، كما أن الوزراء يعملون تحت سلطته وإشرافه.
وبالتالي فمن أهداف الأزمة الحكومية الراهنة، هو تعطيل عمل الحكومة وسلطة رئيسها من الداخل، من خلال دفعه لتقاسم سلطاته بطريقة غير مباشرة مع "عزيز أخنوش"، ومنح حزب هذا الأخير والأحزاب التي تدور في فلكه أهم الوزارات التي تشرف على القطاعات الإستراتيجية والحيوية، في مقابل منح العدالة والتنمية وزارات أقل أهمية، مما يعني تعسير مهمة تنزيل البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، ومنع رئيس الحكومة وحزبه من قطف ثمار الإصلاحات الجوهرية التي باشرتها الحكومة المنتهية ولايتها برئاسة "عبد الإله بنكيران".
ولهذا كان "بنكيران" واضحا –في رسالة لأخنوش والجهات التي يمثلها- بأنه لن يقبل أن يكون معه شريك في منصب رئاسة الحكومة، وأن المغاربة اختاروه لهذا المنصب، وبالتالي لن يتقاسمه مع أي أحد.
 ثالثا: السيناريوهات المطروحة لتجاوز الأزمة
أمام حالة الانسداد الذي تشهده المشاورات الحكومية وتشبث كل طرف بطرحه، سيكون المستقبل مفتوحا على عدة خيارات:
-        تشكيل الحكومة باستبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحصر
الأحزاب التي ستشارك في الحكومة في العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، بالإضافة لحزب الاتحاد الدستوري؛ وهذا الخيار سيكون أفضل الخيارات الممكنة وفق منطق رابح-رابح، بحيث يشكل استجابة لمطالب الطرفين الأساسين في المعادلة، عبد الإله بنكيران من جهة، وعزيز أخنوش –والجهة التي يمثلها- من جهة أخرى، "فبنكيران" قدم أكبر قدر من التنازلات الممكنة، باستبعاد حزب الاستقلال والقبول بمشاركة حزب الاتحاد الدستوري، بالرغم من أنه لا ينتمي للأغلبية السابقة، والقبول ضمنا برئاسة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لمجلس النواب، وأي تنازل آخر من قبل "بنكيران" وفق هذا الخيار غير ممكن وصعب التحقق، لأنه سيمس بمصداقيته ومصداقية حزبه، ومصداقية العملية السياسية برمتها. أما عزيز أخنوش فهو مطالب بعدم التشبث بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فكيفي هذا الحزب أنه حصل على رئاسة مجلس النواب بالرغم من أنه يتوفر فقط على 20 مقعدا نيابيا، وأي إصرار على مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة سيجعل تشكيل الحكومة أمرا بالغ التعقيد والصعوبة. وهنا قد يتم تشكيل الحكومة عبر تدخل ملكي بواسطة مستشاري الملك من خلال عملهم على التقريب بين وجهات نظر الأطراف المختلفة، خصوصا وأن التحكيم الملكي بالكيفيات المنصوص عليها دستوريا غير مطروح هنا. وقد سبق "لبنكيران" التصريح بعدم اللجوء للتحكيم الملكي، لأن الخلاف هنا هو خلاف بين الأحزاب السياسية وليس بين المؤسسات الدستورية. 
-        اللجوء لانتخابات المبكرة، وهو خيار مطروح بقوة خصوصا وأن الدستور المغربي
لا يتيح أي بدائل أخرى باستثناء هذا الخيار في حال فشل رئيس الحكومة المكلف في تشكيل الحكومة، كما أنه يحظى بدعم قوي من طرف حزبي العدالة والتنمية والاستقلال، وتأييد جمهرة واسعة من الكتاب والمحللين السياسيين، بالإضافة إلى أنه أصبح  الخيار الأقرب للتحقق لاسيما بعد إجماع قيادة العدالة والتنمية على رفض فكرة تعيين شخصية ثانية من الحزب لتولي منصب رئاسة الحكومة مكان عبد الإله بنكيران.
-        عودة العدالة والتنمية للمعارضة، وذلك في حال تكليف شخصية من خارج حزب
 العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة، وهو أمر تم طرحه والترويج له بشكل كبير في البدايات الأولى لأزمة تشكيل الحكومة، كما أن عبد الإله بنكيران طرحه في أحد اللقاءات الداخلية للحزب، حيث عبر عن استعداد الحزب للعودة للمعارضة؛ غير أن هذا الخيار أصبح مستبعدا –وإن كان لا يزال مطروحا- نظرا لتكلفته الكبيرة على النسق السياسي المغربي، وغياب سند دستوري واضح يؤيده، بالإضافة لرفض العدالة والتنمية لهذا السيناريو وإعلانه المبكر رفضه المشاركة في حكومة تقودها شخصية من خارج الحزب، وعودته للمعارضة في حال تم اللجوء لهذا السيناريو، وهو أمر من شأنه تشكيل حكومة ضعيفة جدا بأحزاب لا تحظى بدعم وامتداد شعبي واجتماعي كبيرين، في مقابل معارضة قوية متجذرة مجتمعيا، مما سينعكس على عمل الحكومة التي لن تستطيع القيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية جوهرية يحتاجها المغرب.
وتبقى أهم مخرجات هذا السيناريو وأخطرها هي فقد المواطن المغربي لثقته في إمكانية الإصلاح السياسي من داخل المؤسسات القائمة، وهو ما سيعزز جبهة القوى الرافضة للعمل من داخل المؤسسات القائمة، ويمنحها سندا قويا لتبرير خيارها القائم على ضرورة إصلاح النظام السياسي بشكل جوهري، عبر مراجعة طبيعة النظام السياسي القائم. وبالتالي سيفقد المغرب أهم الخصائص التي تميز بها عن بقية الدول العربية التي شهدت حراكا ديمقراطية منذ سنة 2011، وهو ما يطلق عليه بالاستثناء المغربي القائم على أطروحة ثالثة، مفادها رفض شعار إسقاط النظام الذي ميز الحركات الثورية في دول الربيع العربي، في مقابل مباشرة إصلاحات جوهرية تعزز حقوق وحريات المواطن واختيار من يدير شؤونه بكل حرية وشفافية، وتعزيز صلاحيات المؤسسات المنتخبة. وقد تفاعل حزب العدالة والتنمية بشكل إيجابي مع هذه الأطروحة من خلال رفعه لشعار "الإصلاح في ظل الاستقرار"، الذي شكل أساسا لحملة كبيرة قام بها الحزب للترويج لهذه الأطروحة الثالثة في أوساط المغاربة، وأساسا لحملته الانتخابية.
 خاتمـــــــــة
 يمر المغرب بمرحلة مهمة من تاريخه السياسي، وهي مرحلة سيكون لها تأثير كبير على مستقبل نظامه السياسي ونموذجه الديمقراطي، فالمغرب يمر من مرحلة انتقال ديمقراطي جد حساسة وتتسم بعدم اليقين السياسي، نظرا لتداخل مجموعة من العناصر المتناقضة، بين تيار سلطوي-تحكمي يحاول الرجوع لما قبل سنة 2011 عبر الترويج لخطاب إغلاق قوس الانفتاح السياسي والبناء الديمقراطي متذرعا بنهاية التهديد الذي شكله الربيع العربي، وتيار ديمقراطي-منفتح يؤمن بحتمية الوصول للديمقراطية كآلية للحكم وتدبير الاختلاف بين أطياف المجتمع؛ ومع إيمان هذا التيار بالتراكم والتدرج منهجا للبناء الديمقراطي، إلا أنه يرفض التراجع عن المكتسبات التي تم تحقيقها زمن الربيع الديمقراطي وقبله. وسيشكل التعاطي سواء الإيجابي أو السلبي مع أزمة تشكيل الحكومة، الجواب العملي الذي سيختاره المغرب في التفاعل مع الشعب المغربي في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، وسيكون لكل خيار تبعاته المحتملة.
  
الباحث  علي الفاضلي، جامعة القاضي عياض  مراكش 
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.
 
 
 
 
 
 
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك