القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

آفاق حزب "تحيا تونس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-25 15:06:00 | 326 مشاهدة

المقدمة:

سجلت الساحة السياسية الوطنية خلال الفترة الأخيرة الإعلان عن فكرة تأسيس حزب جديد على أن تستكمل إجراءات تأسيسه قانونيا في القريب العاجل. ويتزعم الحزب السيد يوسف الشاهد الرئيس الحالي للحكومة. ما هي دواعي تأسيس هذا الحزب؟ ما هي أبرز مكوناته وما هي خصائص تركيبته؟ ما هي آفاق تحالفاته وتموقعه في المشهد السياسي الوطني قبيل انتخابات 2019 وبعدها في ضوء علاقاته بمختلف الأطراف على السياسة الوطنية؟ ما هي انعكاسات تشكل هذا الحزب على الواقع السياسي الوطني؟ ويعرف المشهد السياسي الوطني منذ حوالي السنة ما يمكن وصفه بالأزمة السياسية التي خيمت على الوضع العام بالبلاد. هذه الأزمة تمثلت خاصة في توتر حاد للعلاقات بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وبين رئيس الحكومة وقيادة حزبه الحاكم "حزب نداء تونس" وخاصة المدير التنفيذي للحزب السيد حافظ قائد السبسي (نجل رئيس الجمهورية) وبين حركة النهضة من جهة ورئاسة الجمهورية وحزب نداء تونس من جهة أخرى. ولم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل غائبا في هذا المشهد إذ كان من أبرز المنادين بتغيير رئيس الحكومة ليلتقي في نفس الموقف مع حزب النداء ومع رئيس الجمهورية. لقد بلغت الأزمة ذروتها عند اختلاف الأطراف المشاركة في حوارات قرطاج 2 حول النقطة 64 من الوثيقة المتضمنة لفكرة تغيير الحكومة. فبالرغم من اتفاق هذه الأطراف على 63 نقطة، لم يتم تجاوز الخلافات لأن تغيير الحكومة وخاصة رئيسها كان هو الغاية الأساسية التي من أجلها جمع رئيس الجمهورية هذه الأطراف حول طاولة الحوار؟لذلك لم ينجح الاتفاق على الإجراءات المطلوب إنجازها لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إطفاء فتيل الأزمة، بل بدا أن هذه الإجراءات لم تكن سوى غطاء لتمرير رغبة تغيير رئيس الحكومة.

ومند الإعلان عن إنهاء حوارات قرطاج 2 في أواخر شهر ماي من السنة الماضية (2018) بدا أن القطيعة بين رئيس الحكومة وحزبه "نداء تونس" وبينه وبين رئيس الجمهورية لا رجعة فيها. وهكذا بدأ التفكير في تأسيس حزب جديد بزعامة السيد يوسف الشاهد رئيس الحكومة ومعه من ينجح في استقطابهم من النواب والوزراء وأعضاء نداء تونس غير العاملين بقيادة حافظ قايد السبسي ومن ينضم إليهم من الشخصيات المستقلة أو حتى المنضوية في أحزاب أخرى قريبة في الأصل من العائلة الندائية الموسعة. ويمكن اعتبار الخلاف الرئيسي بين رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد من جهة ورئيس الجمهورية السيد الباجي قايد السبسي وابنه السيد حافظ قايد السبسي المدير التنفيذي لحزب "نداء تونس" من جهة ثانية السبب الرئيسي لبروز رغبة لدى رئيس الحكومة في تأسيس حزب جديد بزعامته. وقد تعززت هذه الرغبة لدى السيد يوسف الشاهد بتشكل مجموعة برلمانية تدعمه في مجلس نواب الشعب لتشكل إلى جانب كتلة حركة النهضة السند الرئيس لحكومته. وتتألف هذه المجموعة التي اختارت لها اسم "الائتلاف الوطني" من نواب كان أغلبهم أعضاء في الكتلة الأصلية لحزب نداء تونس. لقد أصبح ليوسف الشاهد قاعدة نيابية لا بأس بها وحزام سياسي قوي تقوده حركة النهضة الحليف الرئيسي السابق لرئيس الجمهورية ولنداء تونس، والتي تفككت علاقتها بهما منذ الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا ثم عند فشل حوارات وثيقة قرطاج 2 وأخيرا بعد النجاح الباهر للنهضة في الانتخابات البلدية في ماي 2018. برز يوسف الشاهد في البداية كإطار شاب تولى مسؤوليات حكومية في حكومتي الحبيب الصيد الأولى والثانية واختاره الرئيس الباجي قايد السبسي لرئاسة لجنة وفاقية في حزب النداء ثم كلفه برئاسة الحكومة تحت غطاء وثيقة قرطاج 1 لتصعد أسهمه سريعا ويصبح بمثابة "الشاب" الذي اختاره "الزعيم الأب" ليكون عينه وذراعه في القصبة لتكتمل بذلك صلاحيات الرئيس الذي يجمع بيده صلاحيات قرطاج وبيد ابنه السياسي صلاحيات القصبة. وكان الشاهد إلى حد كبير وفيا للعلاقة مع ساكن قرطاج، لكن ضغوطات وتدخلات من هم حول الرئيس في قصر قرطاج وفي "البحيرة" حيث مقر حزب النداء جعلت الكيل يطفح وتحولت العلاقة شيئا فشيئا من التململ إلى التوتر إلى القطيعة. في ظل هذه الأزمة "العائلية" أطل الاتحاد العام التونسي للشغل ليقيم في البداية علاقة تقارب مع رئيس الحكومة ثم يتحول فجأة إلى حليف أساسي لرئيس الجمهورية وللنداء في المطالبة بتحوير الحكومة ثم تغييرها ولينزل بكل ثقله في الساحة الاجتماعية عبر قفة المطالب النقابية وحزمة "النضالات" وعلى رأسها الإضرابات في القطاعين الخاصّ والعام. وبذلك صمم رئيس الحكومة مدعوما بمن معه ومن حوله  المضي قدما في تأسيس حزبه وطرح نفسه وحزبه الجديد بديلا يمكن أن يجمع العائلة الندائية الموسعة أو على الأقٌل الجزء الأكبر منها مستفيدا بالخصوص من وضعه في رئاسة الحكومة ومن دعم حركة النهضة له للبقاء على رأس الحكومة بما يضمن له الأغلبية النيابية المكونة من كتلتي النهضة والائتلاف الوطني.

1/ تركيبة الحزب وأهم مكوناته:

تعتبر كتلة الائتلاف الوطني المكون الرئيسي لهذا الحزب الجديد الذي أصبح يطلق عليه جزافا حزب الشاهد واختاروا له مبدئيا تسمية حزب "تحيا تونس". وتتكون هذه الكتلة من مجموعة التشكيلة الوطنية القديمة التي كانت قد تأسست من منشقين عن كتلة نداء تونس الأولى، ثم انضم إليها نواب آخرون بعضهم وافد من كتلة الحرة (التابعة لحزب مشروع تونس) ومن بعض النواب المستقلين وبعض المنفصلين حديثا عن كتلة نداء تونس التي أصبحت تحتل المرتبة الثالثة في مجلس نواب الشعب بعد النهضة والائتلاف الوطني. كما يضم الحزب الجديد مجموعة من الوزراء المحسوبين منذ البداية على السيد يوسف الشاهد وكذلك وزراء سابقين في حكومته إلى جانب المدير السابق لديوان رئيس الجمهورية الذي اختير منسقا للحزب. وبالطبع فإن لهؤلاء النواب والوزراء والشخصيات المستقلة أو الملتحقة بالحزب من نداء تونس امتداداتهم في التنسيقيات الجهوية والمحلية مما يجعل القاعدة العريضة السابقة لنداء تونس الموحد قبل تفرقه إلى عدة أحزاب (نداء تونس، المشروع، تونس أولا، بني وطني .. )هي القاعدة المتاحة أمام "حزب الشاهد" لينهل منها منخرطوه وناخبوه مستقبلا على حساب النداء الأم ومشتقاته. هذا وقد دخلت المجموعة المؤسسة للحزب في نقاشات مع بعض أطراف العائلة الدستورية العريضة وبعض الشخصيات الدستورية لتلتف حوله مشكلة الحزب الدستوري أو الوسطي "الحداثي" البديل. ويأتي هذا التمشي من أجل خلق التوازن السياسي الضروري الجديد بديلا عن توازن النداء – النهضة بزعامة "الشاهد" بديلا عن زعامة "الباجي" تقريبا مع نفس المكونات الموسعة ومع التمركز حول ما يمكن تسميته "حزب الدولة الجديد" الذي يمكن أن يستقطب مكونات الدولة العميقة والقوى التي ترى نفسها دائما ملتفة حول الحزب الحاكم. طبعا هناك حديث عن عدم تجانس تركيبة هذا الحزب مع وجود نزعات شخصية وطموحات فردية لدى أغلب إطاراته العليا من وزراء ونواب خاصة. ولا ننسى أن هذه النزعات وهذه الطموحات كانت بالدرجة الأولى وراء تفكك النداء الأم (أو الأب ؟!) كما أن الأمر مشابه إلى حد كبير لما حدث عند تأسيس حزب النداء حيث كانت زعامة السيد الباجي قايد السبسي الموحدة والمجمعة للكثير من الذوات المنتفخة  والطامحة إلى مواقع ومراكز ومصالح، وسرعان ما تفرقعت المكونات بعد الخروج الرئاسي لزعيم النداء من هيكلة القيادة الحزبية المباشرة.

2/ برنامج الحزب الجديد ومشروعه المجتمعي:

لقد اندلعت الأزمة "الحكومية" في ظل وضع اقتصادي صعب وعلاقات اجتماعية متوترة. وكانت الأطراف المطالبة بالتغيير الحكومي تركز على الصعوبات الاقتصادية وأبرزها ارتفاع نسبة التضخم ومؤشرات الأسعار والمديونية والعجز التجاري مع تدهور القدرة الشرائية وقيمة الدينار وتواصل البطالة... وقد احتدت في تلك الفترة وتيرة المطالب الاجتماعية النقابية مع التهديدات المتواصلة بالإضرابات، أما الأطراف المدافعة عن بقاء الحكومة مع ضرورة تدعيمها وإجراء تحوير جزئي صلبها وتكليفها بتنفيذ النقاط الثلاثة والستين المتفق عليها مبدئيا في وثيقة قرطاج 2 فكانت ترى أن الحفاظ على الاستقرار السياسي ضرورة وطنية ملحة وأن التغيير المتواصل للحكومات كان من أبرز أسباب تعطل تنفيذ المشاريع وتحقيق الإنجازات وتعطيل الإصلاحات والحرب على الفساد ومقاومة التهريب والسوق الموازية. في ظل تلك الظرفية الاقتصادية والاجتماعية وفي ضوء الخلافات بين طرفي المشهد اختل التوازن الحكومي والسياسي في البلاد وازداد تفكك حزب النداء وأصبحت مشاكله الداخلية طاغية على الساحة البرلمانية والحكومية بل وأدى إلى تحول حزب نداء تونس وما تبقى من كتلته إلى المعارضة (؟!) وأصبح السير العادي لدواليب الدولة ولعمل المؤسسات مهددا بالتعطيل والتطاحن. كما تعالت الأصوات المهوّلة من فوز النهضة في الانتخابات البلدية ووصل الأمر بتوصيف حكومة الشاهد بأنها حكومة النهضة خاصة بعد إعلان نداء تونس معارضته لها وعدم تصويت نوابه في البرلمان على منح الثقة للحكومة من خلال المصادقة على التحوير الذي أجراه رئيسها عليها.

وهكذا أصبح برنامج مجموعة "الشاهد" التي تحولت إلى نواة الحزب الجديد هو دعم الاستقرار وتعزيز الشراكة والحفاظ على الوحدة الوطنية وتحقيق التوازن السياسي في البلاد بعد ما نال النداء من ضعف وتفكك وتراجع وما ساد صفوفه من خلافات وصراعات. إن البرنامج الأساسي لحزب "تحيا تونس" هو الحفاظ على التوازن في المشهد الوطني، هذا التوازن الملخص في ضرورة وجود قوة سياسية مكافئة للنهضة بحيث تظل الشراكة قائمة دون إقصاء ولا "هيمنة".

ويطرح "حزب الشاهد" نفسه بديلا عن حزب النداء "القديم" وممثلا مقترحا ومحتملا ومطلوبا للعائلة "الوسطية" و "الدستورية" و "الحداثية" الموسعة منتظرا التحاق أغلب مكونات هذه العائلة بصفوفه ومراهنتها عليه كبديل قويّ وشريك قويّ. ولا يطرح هذا الحزب نفسه معاديا للنهضة بل منافسا لها مع تأكيده على الاتفاق معها في ضرورات الاستقرار والتوافق والشراكة والاحتكام إلى الدستور وإلى صندوق الاقتراع وضمان حماية الانتقال الديمقراطي والسير قدما نحو إنجاز الانتقال الاقتصادي. هذا البرنامج وهذا المشروع على ما يبدو هو أيضا ما تراهن عليه القوى الإقليمية والدولية المشجعة للتجربة الديمقراطية التونسية الوليدة ولعقلية الحوار والتوافق والشراكة والاستقرار التي أبدعتها التجربة التونسية.  أما داخليا فإن مقولة "حزب الدولة" تبقى حافزا للعديد من الإطارات لإغرائها بالانضمام إلى هذا الحزب الفتيّ دون أن نغفل حرص باقي الأطراف في المشهد الوطني على عدم الزج بمؤسسات الدولة وبأجهزتها وبمقدراتها في الحياة الحزبية وفي التوظيف الحزبي.

3/ آفاق الحزب الجديد وتحالفاته المحتملة:

ما لفت الانتباه كثيرا عند بروز فكرة تأسيس هذا الحزب بزعامة السيد يوسف الشاهد وطوال فترة الإعداد له، كثرة التصريحات من رموز "مؤسسة" للحزب و الإلحاح على الاختلاف مع حركة النهضة والتمايز عنها وتأكيد الحرص على الحصول على الأغلبية المطلقة في البرلمان القادم للحكم المنفرد وعدم التحالف مع النهضة. إنه خطاب انتخابوي يؤكد من ناحية وجود بعض الإقصائيين في صفوف الحزب الجديد ممن لم يفهموا دروس التوافق والشراكة والاستقرار وممن يريدون رفع سقف "معاداة" النهضة لإغراء القوى السياسية والمجتمعية "الإقصائية" للانضمام إلى الحزب الجديد.لكن من ناحية أخرى فإنه من المؤكد أن التجربة الحكومية للسيد الشاهد والتجربة البرلمانية لأغلب أعضاء كتلة الائتلاف الوطني التي تمثل النواة الصلبة الرئيسية للحزب وما يحملونه جميعا من دراية حقيقية بممارسة النهضة حكوميا وبرلمانيا يدركون أن الواقع التونسي يفرض التوافق ويدعم الشراكة وينبذ الإقصاء والهيمنة على السواء ويعرفون مدى حرص النهضة على خدمة المصلحة الوطنية والقدرة على التضحية بالمصالح الحزبية الضيقة حتى وصل بها الأمر إلى الاختلاف الواضح والصريح مع رئيس الجمهورية وحزب النداء دفاعا عن هذه المصلحة وحرصا على الاستقرار والشراكة بالرغم من كلفة هذا الموقف وتداعياته في علاقته بالرئيس والنداء. إن تحالف الحزب الجديد مع النهضة مطروح بالحدود "التوافقية" و "الشراكة" و "الوطنية العليا" وهذا لا يمنع التنافس الديمقراطي والنزيه والحرص على تحقيق أوسع تمثيلية شعبية. ولن تتوقف تحالفات الحزب الجديد على النهضة حيث أن المطلوب هو توسيع الشراكة إلى أكثر القوى الوسطية والمعتدلة القابلة بالشراكة من أجل المصلحة الوطنية العليا ومن أجل الصالح العام ومن أجل الاستقرار والتوافق وإنجاح الانتقالين الديمقراطي والتنموي. أما غير ذلك من الكلام التصعيدي والتخويفي فلا يخلو من مزايدات انتخابية ومن تجاذبات يرى أكثر الملاحظين الموضوعيين أن زمنها قد فات وولى وأنها لا تنفع الناس ولا الوطن.

الخاتمة:

يبقى السؤال المهم طرحه في خاتمة هذا التقدير : إلى أي مدى سيستقطب هذا الحزب الجديد القاعدة الدستورية الموسعة. وبشكل أدق القاعدة الانتخابية لحزب نداء تونس لسنة 2014؟. فمن المعلوم أن أغلب مكونات هذا الحزب تنحدر من "حزب الباجي" أو من الذين تم انتخابهم في قائمات النداء. فإلى أي حد سيجد مرشحو الحزب الجديد تعاطفا وقبولا من القاعدة الدستورية وهي التي انتخبتهم سابقا على قائمات ثم انسحبوا منها واختلفوا مع الحزب الأم ومع الزعيم المؤسس؟. هذا سؤال جوهري خاصة وأن طموح الحزب الجديد يتمثل أولا وأساسا في الحصول على أصوات هذه القاعدة ليكون البديل عن النداء في الشراكة الوطنية الجديدة وفي التوازن السياسي المنشود. هذا ما يبقى مطروحا أمام الناخبين وسوف تحدد الإجابة عنه إلى حد كبير مقدرة هذا الحزب على إبلاغ تصوره ورؤيته والدفاع عن برنامجه السياسي ومشروعه المجتمعي وحرصه على التوازن و التوافق و التشارك خصوصا.

 

وحدة التقدير السياسي ) مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية (

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك