القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

آفاق التوافق الوطني في منعرج 2019

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-08-17 10:39:00 | 254 مشاهدة

المقدمة:

اشتقت عبارة التوافق من الجذر الثلاثي "وفق" على غرار الوفاق والاتفاق والاتفاقية والموافقة .. هذه المصادر تدور في نفس المعاني الضمنية المفتوحة على بعضها مثل النجاح (التوفيق) وكف النزاع والمصالحة (الوفاق) والاشتراك في الموقف أو الرأي (الاتفاق) وإجراء عقد مشترك (اتفاقية) والتفاهم (التوافق) ... أما اصطلاحا، فالمقصود بالتوافق الوطني (التونسي) ذلك التفاهم العام الذي حصل بداية من سنة 2013 أولا بين "الشيخين" الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة والسيد الباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس آنذاك ورئيس الجمهورية حاليا ثم نال موافقة ودعم الحزبين الرئيسيين ونعني بهما حركة النهضة (مقررات مؤتمرها العاشر) وحركة نداء تونس (بمباركة وموافقة كل رموزها المؤسسة والقيادية آنذاك على غرار حافظ قائد السبسي ومحسن مرزوق والطيب البكوش ورضا بلحاج وعبد الرؤوف الخماسي والأزهر العكرمي وخميس قسيلة وفوزي اللومي ... ). هذا التوافق الوطني بين "الشيخين" القائدين أولا ثم بين حزبيهما أكد على ضرورة تغليب المصلحة الوطنية العامة والبحث عن الحلول المشتركة والمقبولة والممكنة ولتجاوز كل التهديدات التي تحيق بمسار الانتقال الديمقراطي وبالتجربة الديمقراطية التونسية والحرص على تجاوز مختلف التجاذبات والحسابات الحزبية الضيقة في سبيل إنجاز المشاريع التنموية وتحقيق ما يمكن من المطالب والانتظارات الشعبية واستحقاقات الثورة وفي مقدمتها التشغيل والتنمية الجهوية ومحاربة الإرهاب والفساد ...

سادت مرحلة التوافق تقريبا الفترة الممتدة من أواسط 2013 إلى أواسط 2018، لكنها اليوم أصبحت مهددة وتبدو آفاقها غامضة بل أن البعض يعتقد أن التوافق في شكله الحالي قد انتهى وربما يأخذ شكلا آخر أو يترك مكانه لصراعات وتجاذبات جديدة مما يفترض علينا التساؤل عن آفاق التوافق على أبواب 2019؟

مسيرة التوافق ... وإنجازاته:                        

هذا التوافق الوطني يختلف عن التحالف الذي يعني ضمنيا أرضية سياسية مشتركة وبرنامج عمل موحد، فهو عبارة عن ائتلاف بين مختلفين ومتنافسين غلبوا المشترك على المختلف فيه وقرروا تحمل المسؤولية المتبادلة من أجل الوصول بالتجربة الديمقراطية إلى شاطئ الأمان وبر النجاة في ظل ظرف اشتدت فيه التجاذبات والصراعات داخليا وعرفت فيه الأوضاع الإقليمية والدولية تطورات خطيرة من شأنها أن تؤثر سلبيا على الأوضاع في تونس لو بقيت الخلافات هي السائدة والحسابات الحزبية الضيقة هي الطاغية.

كان التوافق الوطني في تونس اكتشافا تونسيا خالصا وإبداعا من إبداعات التجربة الديمقراطية التونسية. فهو ليس الوفاق أو التحالف أو الائتلاف أو الجبهة أو الاتحاد، بل هو بكل بساطة "توافق" مفتوح دائما على الحوار والتعايش والتشاور لمعالجة أية مشكلة ودراسة أي اقتراح أو مشروع لاكتشاف ما هو إيجابي فيه لتبنيه وإنجازه بشكل مشترك وما هو سلبي فيه لتجنبه من الطرفين المعنيين مع إبقاء المجال مفتوحا لك من الحزبين "الحركتين" والشيخين للاجتهاد والاقتراح والتشاور .. ولم لا حتى التنافس دائما في إطار السعي إلى تحقيق المصلحة الوطنية وتغليب الإيجابي المشترك بما يضمن دائما توفر أغلبية نيابية و إرادة سياسية مشتركة لإنجاز الإصلاحات والمشاريع التنموية وتحقيق الاستقرار وترسيخ "التوافق" ولم لا توسيعه إلى أطراف أخرى، وهو ما حصل بالفعل مع حكومات الصيد والشاهد. وقد دخل الاتحاد العام التونسي للشغل الحلبة هذه المرة كشريك في وثيقة قرطاج 1 التي انبثقت عنها حكومة الحبيب الصيد ثم في مشاورات قرطاج 2 وأصبح "طرفا سياسيا" رئيسيا في الخلافات حول مستقبل حكومة الشاهد.

ساهمت سياسة التوافق الوطني بين الشيخين أولا وخاصة ثم بين حزبيهما النهضة والنداء في إنجاح الحوار الوطني وإصدار الدستور وإنجاز انتخابات 2014 وإرساء حكومتي الصيد والشاهد، بل وتوسيع التوافق إلى أطراف أخرى انضمت إلى الحكومتين المذكورتين وساهمت في بلورة وثيقتي قرطاج 1 و2.

كما تم في ظل التوافق الوطني إصدار العديد من القوانين ذات التأثير البالغ على الحياة الوطنية مثل قانون المصالحة الاقتصادية ومجلة الحكم المحلي.

ولكن، لا شيء يبقى ثابتا في السياسة.. وهكذا صرنا نلاحظ منذ أشهر أن التوافق وبدا يترنح تحت سياط وقائع محددة وأحداث معينة وربما يتحول الأمر من "الترافق" في ظل التوافق إلى "التفارق" في ظل "التوافق" !

توافق الضرورة أم الاضطرار:

يرى البعض أن الأرضية التي بني عليها التوافق كانت منذ البداية تشكو خللا هيكليا من شأنه أن يهدد بنيانه أمام كل منعرج ويمكن أن يعصف به ربما عند بروز أول اختلاف وجهات النظر وتقدير الموقف.

هذا الخلل الهيكلي يتمثل في اختلاف قراءة طرفيه الأساسيين لأساس اعتماد التوافق. ففي حين ترى حركة النهضة ورئيسها التوافق كضرورة وطنية تتطلبه المصلحة الوطنية العليا وكشرط جوهري لتجنب تصادم أكبر قوتين سياسيتين على الساحة وسيكون لتوافقهما فوائد جمة لفائدة نجاح مسار الانتقال الديمقراطي والتهيئة للشروع في مسار الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي، يرى النداء بقيادة زعيمه التوافق كاضطرار لا مفر منه من باب مكره أخاك لا بطل لأن النهضة طرف له وجوده الشعبي الكبير وحضوره السياسي القوي وزادت نتائج انتخابات 2014 في تأكيد هذا الاضطرار لأنها لم تمنح النداء أغلبية مطلقة في مجلس نواب الشعب ومكنت النهضة من المرتبة الثانية بكتلة كبيرة هي الأخرى.

عوائق في طريق التوافق:

ظلت هذه القراءة لأساس التوافق متحكمة في مسار العلاقة بين الطرفين تقريبا حتى خريف 2017. وبالرغم من أن هذه الفترة شهدت أعظم إنجازات التوافق، فإنه لم يكم من الممكن أن تغيب عن الملاحظين العلامات والشواهد التالية:

  • كثرة تصريحات رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي بأن نتائج الانتخابات قد فرضت التشارك مع حركة النهضة في الحكومة وأن النهضة قد اتخذت عدة خطوات إيجابية للسير في طريق المدنية ولكن مع ذلك مازال ينتظر منها الكثير في هذا المجال.
  • عند تقديم النهضة ملاحظات على المبادرة التشريعية الرئاسية بخصوص المصالحة الاقتصادية، لاحظ المتابعون استياء واضحا لدى كل من رئيس الجمهورية وحركة نداء تونس من موقف النهضة.
  • عند انهزام مرشح نداء تونس في الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا، برز خطاب ندائي يهدد بفك التوافق مع النهضة وبتحويل العلاقة بينهما إلى علاقة تنافسية !
  • إثر فوز حركة النهضة في الانتخابات البلدية بلغ استياء النداء أشده وتكاثرت الخطابات الندائية المطالبة بإنهاء التوافق مع النهضة والبحث عن تحالف مدني جديد ولم لا إعادة تجميع شتات العائلة الندائية المؤسسة.
  • ازداد شرخ الانقسام وتعاظم الاختلاف بعد تمسك حركة النهضة في حوارات قرطاج 2 ببقاء يوسف الشاهد على رأس الحكومة والاكتفاء بإجراء تغيير جزئي في حين طالب النداء بالتغيير الكامل بما في ذلك تنحية الشاهد عن رئاسة الحكومة، علما بأن الشاهد هو ابن نداء تونس وقد اقترحه رئيس الجمهورية لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن وثيقة قرطاج 1 التي مهدت السبيل لوضع حد لحكومة الحبيب الصيد !

العودة إلى المربع الأول؟

اعتقد الكثير من المراقبين  للشأن السياسي الوطني في تونس بأن إصدار الدستور قد حسم الكثير من المسائل وفي مقدمتها قضايا الهوية والقيم المجتمعية والنظام السياسي، لكن تطورات الأحداث بشأن هذا التصور محض خيال وأن الخلافات بشأنها مازالت عميقة وأن التوافق لم يتجاوز قيادات النهضة والنداء في حين ظلت محاولات نسف التوافق وتحريض قواعد النداء ضد حركة النهضة قائمة بدرجة كبيرة من طرف من يعتبرون أنفسهم رواد "الحداثة" و"العلمانية" من اليسار الاستئصالي والنخبة الفرنكفونية والمنشقين عن نداء تونس "الأصلي" وحتى بعض الإطارات من النداء الرسمي. وأصبح البعض يرى أن التوافق بقي سطحيا وفوقيا لأنه موضوعيا لا يمكن التوفيق بين مشروعين متضاربين حقيقة خاصة وأن التضارب بينهما كان من بين محركات ودوافع الثورة. ذلك أن المشروع العربي الإسلامي لا يمكن أن يتجانس مع المشروع التغريبيالفرنكفوني الذي كان سائدا طوال العهدين البورقيبيوالنوفمبري. ويؤكد هؤلاء المراقبون بأنه لا المشاريع الاقتصادية ولا الإدارة السياسية للحكم تفسر مثل هذا الصراع. بل تفسره فقط المرجعية القيمية وقضايا الهوية والانتماء.

وقد بدا للبعض أنه يمكنهم الضغط على حركة النهضة لنزع جبة المرجعية ونفض مسألة الهوية ولباس بدلة "المدنية" و"الحداثة"و"التونسة" مع وضعها دائما تحت الوصاية وتحت الضغط لتكون منضبطة "للتوصيات" وملتزمة "بالتعليمات" وقابلة بالتنازلات(!؟). وبالرغم من مصادقة حركة النهضة في مؤتمرها العاشر على حزمة من القرارات والخيارات الاستراتيجية مثل التخصص والانفتاح وتبني المشاركة الواسعة لكل قوى المجتمع في إدارة الشأن العام، إلا أن تمسكها بالمرجعية الإسلامية ظل كابوسا مزعجا لذوي المرجعيات "العلمانية"  و "الحداثية" و "القومية" و "الماركسية"...

لقد كان هناك من اعتقد أن النهضة سوف تكون طيعة و "رهن الإشارة" لتلبية كل المطالب والشروط مقابل إشراكها في الحكم.. ولكن الواقع بين أن كل تنازلات النهضة لا يفسرها الحرص على المشاركة في الحكم والحصول على مكاسب حزبية ضيقة، بل دافعها الوحيد هو المصلحة الوطنية وضمان سلامة ونجاح الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

وهكذا عدنا إلى المربع الأول، مربع التجاذبات والخلافات والحسابات خاصة وأن 2019 على الأبواب، و ها هو "تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة" يلوح به لانتخابات 2019 والبحث عن أصوات المليون امرأة تونسية (!؟) وإعلان "التفارق" عنوانا للمرحلة القادمة بديلا عن "الترافق" الذي سارد مرحلة التوافق.

على منوال 2013، يبرز الاتحاد العام التونسي للشغل كطرف أساسي في المشهد الوطني. ولئن كان في 2013 أحد رعاة الحوار الوطني، فإنه الآن طرف في الصراع القائم حول تغيير رئاسة الحكومة والمطالبة بحكومة جديدة. وهو يبدو من أكثر القوى حرصا على هذا التغيير وتمسكا به.

وبالرغم من موافقة جميع أطراف وثيقة قرطاج 2 على الثلاثة والستين بندا في الوثيقة، فإن البند 64 وهو آخر بنود الوثيقة كان مدار الخلاف وممهدا لتحويل ما كان انفراجا إلى ما يمكن أن يكون انفجارا.

من الواضح أن حركة نداء تونس لم تبنى على أسس حزبية بل في سياق مواجهة حركة النهضة كمشروع أكثر منها كحزب ثم "اضطر" إلى التوافق معها دون أن يدخل ذلك التوافق نياط القلوب. وهكذا توالت الانقسامات داخل النداء، ومن عوامل هذه الانقسامات أيضا الصراع على المواقع داخل السلطة وداخل الحركة وأصبح هناك حديث عن التوريث وحديث عن فك التوافق مع حركة النهضة وحديث عن تيار يوسف الشاهد وحديث عن إعادة توحيد "النداءات" إلخ...

ويبدو أن خلاف يوسف الشاهد مع المدير التنفيذي للنداء حافظ قايد السبسي لم يحسم بعد ولم يلغ تماما وربما هو مؤجل إلى مؤتمر الحزب في جانفي 2019. كما يتحدث البعض عن دعم القوى الإقليمية والدولية للشاهد بصفته رئيسا للحكومة إلى جانب دعم الكثير من رجال الأعمال والمؤسسات الإعلامية والوطنية له. ولا شك أن مثل هذه التطورات غير خفية على رئيس الجمهورية وهو الزعيم المؤسس للنداء، وبالتأكيد مازال له تأثير قوي في صفوف الندائيين ويمكن أن يستثمر هذا التأثير في نحت مستقبل النداء في ظل ما هو ملاحظ حول خلافه الحقيقي مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

كما أنه لا يمكن تجاهل موقف اتحاد الشغل في الأزمة الأخيرة والذي يمكن أن يكون له تأثير قوي على تطورات الأوضاع في المرحلة المقبلة.

كما أن بروز النهضة كحزب دولة بامتياز وكقوة سياسية حريصة على الاستقرار وإنجاز الإصلاحات قد لفت انتباه الكثير من القوى والفعاليات  الداخلية والخارجية وأكد ما تتميز به الحركة فعلا لا قولا من شعور بالمسؤولية وما اكتسبته من جدية ونضج ومن ثقل وإشعاع وطني ودولي.

الخاتمة:

اليوم هناك انقسام حقيقي بين النداء واتحاد الشغل ورئاسة الجمهورية من جهة والنهضة ورئاسة الحكومة من جهة ثانية مع وجود أطراف أخرى تساند هذا الشق أو ذاك. لقد أصبح الشعار اليوم في نداء تونس هو التوازن مع النهضة وتجميع القوى المناهضة "للمشروع النهضوي" في حين ترفع النهضة شعار الاستقرار والإصلاح لخدمة المصلحة الوطنية. هكذا تبدو حسابات النداء كأنها مرتبطة بحسابات حزبية ضيقة في حين تتصل حسابات النهضة بحسابات الدولة والحكم.  وقد تطور الاختلاف حول تغيير الحكومة إلى خلاف حقيقي مازال مخيما على المشهد الوطني وأصبح السؤال الكبير المطروح هو: إلى أين يتجه مسار التوافق الوطني؟

يأخذ هذا السؤال وجاهته في ظل الانقسامات المسجلة في صفوف حركة نداء تونس وداخل كتلتها النيابية حيث برز ما يمكن تسميته بجناح يوسف الشاهد. لا أحد يمكنه توقع مآل هذا الانقسام وكيف سوف تتطور الأمور داخل حركة نداء تونس خاصة وأنه قد تقرر عقد مؤتمر النداء في شهر جانفي 2019. هل سوف يتغلب صوت العقل عند جميع الندائيين ويبقى النداء موحدا أم يحصل انشقاق جديد على غرار الانشقاقات السابقة (المشروع – تونس أولا – بني وطني .. )؟ هل يظل التوافق بين النهضة والنداء أم بين النهضة ونداء جديد؟ . أم هل سوف يعصف بالتوافق تماما ويأخذ التنافس مجراه في آفاق استحقاقات 2019؟ وهل سوف يكون لعرض المبادرة التشريعية حول المساواة في الميراث دور في تحديد مسار التوافق سلبيا أو إيجابيا؟ المهم حقيقة أن تبقى المصلحة الوطنية هي الأساس .

 

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

وحدة التقدير السياسي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك