القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

 قطار الحكم في تونس:  وثيقة قرطاج  بين  الإخفاق والآفاق

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-05-08 22:19:29 | 129 مشاهدة

 
ملخّص 
تكاد المقاربات السياسية الجدية لصعوبات المرحلة الانتقالية في تونس تغيب لصالح مناورات سريعة التحوّل والتقلّب قد تجرؤ على التحرّك من خارج ما تحقّق للتونسيين من مكاسب ديمقراطية أولية، مناورات يغلب عليها ما يغلب على المشهد الحزبي عموما من أمراض الهشاشة المؤسساتية والشخصنة والمزاجية. ولكن المنجز التأسيسي الذي راكمته البلاد بصعوبة وإصرار يسمح لضوء المستقبل بالتسلل من وراء ضباب الغموض السياسي الكثيف الذي يلفّ سماء تونس ويكاد يحجب الرؤية عن الجميع. يبدو أن التونسيين مطالبين اليوم باستجماع ما أطلق عليه "جيورجيو أغامبن" شجاعة اليأس.

مقدّمة
بين الحديث البارد عن "عاديّة" اللحظة التاريخية التونسية المضطربة وتفسير صعوباتها بعمق ارتدادات حدث الثورة التي فتحت باب الحركة في اتجاه المستقبل بكلّ "مخاطره" ومفاجآته، وبين الحديث الحماسي المنذر بقرب الكارثة والناعي بيقين تبشيري للثورة وللسياسة وللتاريخ في تونس، بين هذين النقيضين المطلقين يعيش التونسيون يومياتهم كثيفة الفراغ بكثير من التوتّر والتشنّج والحيرة والانتظار المستسلم لكل احتمالات المحطة القادمة، الآتية لا محالة.  وفي انتظارهم، يعجّ الأفق بسيناريوهات مستقبل متعدّدة بتعدّد الطامحين والطامعين في التسلّل إلى قاطرة القيادة مستغلّين مسارب وثقوبا تتيحها حالة تحلّل الروابط التاريخية التقليدية التي شكّلت حدّا تاريخيا أدنى ضامنا لاستمرار "الكيان التاريخي" للتونسيين. كيان أتاحت الثورة للتونسيين حريّة إعادة بنائه على أسس مدنية عقلانية إنسانية حديثة قررتها الإنسانية في كل مواثيقها في حين لا يزال من يجادل في جدارة التونسيين والعرب بها تحت عناوين دينية ومدنية مضلّلة.
هل سينتظر التاريخ التونسيين طويلا؟ 
لحظة ما بعد البركان المتخثّرة
اللحظة التونسية اليوم تشبه تماما لحظات ما بعد البركان العنيف، إذ ما زالت حمم باطنِ مرحلةِ ما قبل الثورة تسيل في كل اتجاه وتؤجل لحظة الاستئناف المطمئن لهدوء قلب البركان. لم يحسم قادة الحكومات المتعاقبة منذ الثورة حتى اليوم أمر الأولويات السياسية العاجلة والممكنة، ففي كل مرة يظنون أن سيول حمم البركان الكبير بردت واستقرّت، وأنهم قادرون على ضبط  بقية حمم صغيرة تتجه نحو الهدوء، في كل مرة يظنون انها  ستنفجر في وجوههم ارتدادات جديدة تعيد الجميع إلى نقطة البدء الأولى. لا أحد ينكر نجاح التونسيين في إعادة بناء الأسس الكبرى لاجتماعهم السياسي في ظروف عسيرة، فقد نجحوا في صياغة دستور أكبر فضائله أنه طوى إلى حد كبير، ولو إلى حين، معارك إيديولوجيا الهوية التي استنزفت أعمار أجيال من نخبنا وشبابنا. ونجحوا أيضا في بناء إطار قانوني يسيّر عملية الانتقال من مرحلة اللاسياسة إلى مرحلة الفائض السياسي.  لقد توصل التونسيون في ظرف وجيز نسبيا إلى بعث هيئات دستورية عليا واحدة مكلفة بالانتخاب وثانية بالعدالة الانتقالية وثالثة بمقاومة الفساد ورابعة بتعديل الإعلام وخامسة بالوقاية من التعذيب في انتظار استكمال تشكيل المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية قريبا.
ينجز التونسيون كل هذا في سياق داخلي مضطرب يراوح بين الإشراف المتكرّر على هاوية الحرب الأهلية، وبين اجتماع كل تيارات الفكر والسياسة وكل المنظمات الوطنية الوازنة وكل من وراء هؤلاء جميعا من مراكز نفوذ وتوجيه على طاولة "حوار وطني" أثبت فاعليته في أكثر من مناسبة وآخرها سنة 2014 حين تمكنت البلاد من تنظيم أول انتخابات ديمقراطية  تشريعية ورئاسية لأول مرة في تاريخها المعاصر. ولكن هذه المنجزات الفعلية والهامة توشك أن تتلاشى جاذبيتها السياسية وفاعليتها العملية أمام دائرة مفرغة تتخبّط فيها كل الحكومات التي تعاقبت على البلاد منذ ستة سنوات. دائرة عبثية يلاحق فيها الحكام المتعاقبون تنمية اقتصادية قوامها بناء مقوّمات اقتصاد قوي حيوي قادر على خلق فرص تشغيل كثيفة تستوعب طوابير مئات الآلاف من طالبي الشغل من الشباب الذي انتفض منذ 2008 و2010 وها أن آلافا أخرى تلتحق به وتصطفّ خلفه طلبا لشغل لا يمكن أن يتحقّق إلا في ظل استعادة الاقتصاد لتوازنه، توازن لا يمكن أن يحصل إلا بالشروع في الإصلاحات الهيكلية الكبرى( مقاومة الفساد وما يتطلبه من إصلاح جذري للقضاء، الإصلاح الجبائي، صندوق الدعم، الصناديق الاجتماعية المفلسة....) التي تتطلب بدورها مناخا اجتماعيا وسياسيا واضحا وهادئا. لكن التهدئة الاجتماعية تبدو مستحيلة أمام أمرين اثنين:
1 الأمر الأول : فقر حقيقي طال أمده في الجهات الداخلية وفي الأحياء الشعبية المكتظّة، فقر لم يعد أهله قادرين على تحمّله وقابل للاشتعال الذاتي  وللتوظيف الخطير بحقّ أو بباطل ، أو تعاطيا ظرفيا مع ميزان قوى نقابي/سياسي داخلها لا يفتأ يتحوّل ويتحرّك وينقلب، لكنها في كل مرة تتدارك تحت ضغط الضرورة وحين تدرك أن السقف سينهار فوق رؤوس الجميع. 2 الأمر الثاني: انغلاق وغرور "قطاعي" جعل من كل قطاع قلعة محصّنة ضدّ إقرار وتنفيذ برامج الحكومة في الإصلاح الجبائي الذي يهدف إلى بسط نفوذ الدولة على كل قطاعات الاقتصاد وتحقيق عدالة جبائية تضمن موارد ثابتة للدولة وترسّخ مفهوم الدولة العادلة التي يتساوى أمامها الجميع. هذا الصّلف القطاعي كان وراء فشل الدولة في تعبئة موارد إضافية لخزينتها كانت ستمكنها من تمويل الاستثمار العمومي في الجهات وإحداث مشاريع مشغّلة تخفّف بها الضغط المسلّط على التجربة برمّتها.
ولكن غياب التهدئة الاجتماعية والتجاوب القطاعي الرصين اضطرّا الحكومات المتعاقبة إلى نهج سياسة تداين منفلت وكارثي انتهى بالبلاد إلى ارتهان ربما نهائي لخيارات مؤسسات مالية دولية ستكون لها انعكاساتها الاجتماعية وأثمانها السياسية الآن وغدا. هكذا وجدت النخب الحاكمة نفسها في دائرة مفرغة: بطالة وفقر يتوقف امتصاصهما على استعادة النمو الاقتصادي، ونموّ اقتصادي يحتاج تهيئة مناخ استثمار داخلي وخارجي، واستثمار داخلي يبتزّ الدولة بقانون المصالحة الملغوم وخارجي لا يأتي في ظل احتقان اجتماعي وغياب إجماع وطني حول أولويات الإصلاح، وإصلاح يتوقف أمام أبواب القلاع القطاعية المغلقة والنقابات... وهكذا دواليك كما تقول العرب، ومن هنا يأتي توصيفنا للحظة التونسية بأنها لحظة سياسية متخثّرة رغم أو ربما بسبب مجيئها بعد ثورة حركت كل عناصر المادة التاريخية التي كانت متكلّسة تماما قبل بركان 2011. كيف تتعامل الطبقة السياسية مع هذا المأزق التاريخي المعقّد؟
2 خارطة سياسية بمحورين متقابلين نقيضين :
على قاعدة التعامل مع هذا المأزق الذي تتخبّط فيه الحكومات المتعاقبة ويكاد يمنع البلاد من التقدّم في طريق الاستقرار الديمقراطي والانتعاش الاقتصادي، ينقسم المشهد السياسي اليوم إلى محورين متقابلين رغم ما يمكن أن يحدث من تغيّر وامتداد وتقلّص في تشكيلة كل ّ محور:
1/ محور مواصلة التأسيس التوافقي والديمقراطي
: ويحتوي مكوّنين:
* معسكر حاكم يتحرّك تحت سقف اتفاق قرطاج وحكومة"الوحدة الوطنية" المتمخّضة عنه ويعمل على استمرار مناخ التوافق السياسي الذي دشنته البلاد منذ لقاء الشيخين في باريس سنة 2013 وأثمر دستورا وحكومة انتقالية وانتخابات مثلّت علامات استقرار سياسي بدا بعيد المنال في لحظة ما( إثر الاغتيالات السياسية في فيفري وجويلية 2013)، هذا المعسكر يعمل على مواصلة تهيئة الأرضية التشريعية والقانونية لاستكمال شروط الشروع في الإصلاحات الكبرى وتوفير مناخ عودة الاستثمار الداخلي بعد تعذّر تدفق التمويل الخارجي الذي وعدت به الجهات الداعمة للانتقال التونسي أو لبعض مكوّناتها( النداء قبل الانتخابات وعد بجلب مساعدات هائلة تراجع عنها أصحابها لعدم رضاهم عن خيارات النداء التوافقية) وصعوبة المواصلة في سياسة تداين بلا نهاية، وهو يدفع ب"قانون المصالحة الاقتصادية" بكل قوّة لضمان استمرار التحالف الاستراتيجي  بين الفائزين في الانتخابات الأخيرة ومموّليهم المحليّين استعدادا لمعركة انتخابية مصيرية قريبة جدا( 17 ديسمبر 2017) يراد لها ترسيخ الموقع القيادي لحزب نداء تونس. هذا المعسكر الحاكم يقوده نداء تونس ( الذي يتأقلم ببطء ولكن بثبات عنيد مع أزمته المفتوحة حتى كأن الأزمة أصبحت جزءا من هويته المتحرّكة) الذي يتمسك بقيادة المرحلة رغم اضطراره في البداية إلى "تفويض" شخصية مستقلة لرئاسة الحكومة الأولى، ثم إلى القبول بتمثيل وزاري ضعيف داخل الحكومة الثانية دون أن يمنعه ذلك من التفكير والدفع نحو مراجعة هذه الخيارات في اتجاه حصة وزارية تناسب فوزه الانتخابي. وإلى جانبه تقف حركة النهضة بكثير من الحذر التكتيكي، وبمبدئية راهنت ولا تزال على التوافق كاستراتيجيا للحكم والتعايش والاستقرار.
 لكنّ كلا الحزبين يدركان أن هذا الخيار التوافقي مقدم على امتحان صعب. فمن المستبعد المحافظة على مناخ التهدئة المتبادلة الذي يقتضيه الاشتراك في الحكم خلال انتخابات تقتضي المنافسة والتباين والفرز والعودة إلى جمهور انتخابي غير متجانس سياسيا ( ولا نقول ثقافيا وجهويا وطبقيا لأننا لا نملك معطيات إحصائية دقيقة حول هذا الموضوع، فضلا عن حساسيته وخطورته). ولعلّ التعاطي الحالي مع "قانون المصالحة" خير مثال على ما نقول: حيث تجد النهضة حرجا كبيرا في الاستجابة لرغبة النداء في تمرير مشروع حيوي ومصيري بالنسبة إليه لأنها تعلم أن التعاطي العام والشعبي مع القانون هو تعاطي أخلاقي "مجرّد"  ينظر للقانون على أنه جريمة أخلاقية فقط لأنه يستهدف فئة رجال الأعمال التي هي "فاسدة" بالضرورة في المخيلة الشعبية، بل أن للشعب لديها ثأر فقر ( ثأر طبقي) يجب أن يستخلص بطريقة لا تخلو من تشفّ وعنف قانوني(السجن). هذه المعالجة "الشعبوية" لا يمكن أن تصمد أمامها معالجة استراتيجية تحكمها فلسفة انتقال حذر يقتضي تسويات جزئية تبحث عن الجدوى العملية للسياسة الباحثة عن حلول داعمة للوحدة الوطنية الهشة لا السياسة الشعاراتية المعمّقة للانقسامات. لذلك ستضطرّ النهضة تحت ضغط قواعدها ذوي المرجعية الأخلاقية الفقهية ، ومراعاة للحسّ الأخلاقي العامّ، إلى تعطيل هذا القانون وإرجاء مروره إلى ما بعد الانتخابات القادمة، وربما إلى مراجعته جذريا بما يفقده أهدافه الحقيقية. وقد تفعل النهضة هذا ببراغماتية سياسية محضة فتطلب مقابله ثمنا سياسيا مقنعا لجمهورها من مثل ضمان استكمال مسار العدالة الانتقالية المتعثّر وبعث صندوق الكرامة. لكن الأهم أنها في كل هذا محكومة بهاجس كبير واحد هو كيفية ترسيخ التوازنات السياسة الكبرى بما لا يترك أي مجال للتراجع عن نتائج ومكاسب الاستقرار السياسي الحالي الذي تتهدّده أخطار كثيرة. داخل هذا المعسكر نجد المنظمات الوطنية الكبرى كمنظمة الأعراف وبالخصوص اتحاد الشغل الذي يمثل محرار العقل السياسي التونسي منذ الحوار الوطني إلى حد اليوم، وخاصة منذ اتفاق قرطاج الذي شكل ذروة انخراط المنظمة النقابية في مسار العمل على استمرار مناخ التوافق الوطني المؤسس للاستقرار الأدنى. وهو خيار دقيق يراهن فيه الاتحاد على مصداقيته النضالية من جهة وعلى التزامه الوطني من جهة أخرى رغم تصادم الخيارين من حين لآخر مما يضطرّه إلى المناورة الحذرة كما فعل في ضغطه على الحكومة لإقالة وزير التربية استجابة لمنظوريه دون المجازفة بالتصعيد المجاني الذي كان يُدفع إليه حين قرّرت نقابة الثانوي بضغط من التنفيذي إلغاء قرار تعليق الدروس دون تحقيق أي من مطالبها المرفوعة. وكان الاتحاد قد قبِل بتأجيل تنفيذ اتفاق الزيادة في الأجور الممضى من طرف الحكومة وألغى الإضراب العام في الوظيفة العمومية قبل أسبوع واحد من موعده. وها هو الآن يناور كحركة النهضة ولكن بخلفيات مختلفة حول قانون المصالحة الاقتصادية الذي يبدو أنه متجه لرفضه " في صيغته الحالية"، مثلما يناور كلاهما في التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية في الجهات حيث تحضر النهضة بقواعدها الفاعلة والاتحاد بهياكله المؤطرة والمتبنية للمطالب المرفوعة دون أن يفسد هذا الازدواج "الاضطراري" لودّ الحكومة ودعمها قضية. مقابل هذا الخيار التوافقي الحاكم يتشكّل العنصر الثاني من هذا الخيار التأسيسي التوافقي الديمقراطي ممثّلا في:
* معارضة مسؤولة تتبنى مرجعية الثورة التونسية وتتحرّك على أرضية منجزات المسار التأسيسي وتلتزم بشرعية الديمقراطية الانتخابية على خلاف المعارضة الأولى، ولكنها ترى في منظومة الحكم الحالية إعادة إنتاج لمنظومة ما قبل الثورة والتفافا تدريجيا على الدستور روحا ونصّا، وتتشكّل حاليا في "الائتلاف الحزبي المعارض لقانون المصالحة الاقتصادية" ( يضمّ كلا من التيار الديمقراطي والحزب الجمهوري والتحالف الديمقراطي وحركة الشعب والتكتّل في انتظار أن تحسم الجبهة والمسار أمرهما). هذه المعارضة الديمقراطية في عموم مكوّناتها واقعية في نقدها لأداء السلطة التنفيذية ومدركة لصعوبات المرحلة، بل هي جزء من منظومة الحكم إذ يشارك بعضها في الحكومة الحالية بوزراء ويلعب نوابها في البرلمان دورا حيويا في تعديل القوانين ونقد أداء الحكومة ومحاسبتها. ولكنّ جزءا من ريع معارضتها المبدئية والمشروعة لخيارات الحكم الحالي قد يذهب موضوعيا إلى جهات تتربص بمسار التأسيس الديمقراطي الهشّ. جهات تتحدّث لغة الديمقراطية وتتحرّك من داخل مؤسساتها.  
2/ محور"معارضة" عدمية مستعدّة للتضحية بالديمقراطية   
* وهي "معارضة" غريبة التكوين إذ لا تختلف في خياراتها السياسية والاقتصادية عن منظومة الحكم القائم بل هي متحمّسة أكثر من الجميع لقانون المصالحة الاقتصادية بصيغته المرفوضة حتى من بعض الدوائر القريبة من أصحابه،ولمنظومة العدالة الانتقالية برمّتها، ولا تخفي رفضها للاحتجاجات والمطالبات الاجتماعية في الجهات. بل هي موقّعة على اتفاق قرطاج الذي أنتج الحكومة الحالية قبل أن تخرج منه وتتطرّف في  التحرّك خارج مظلّته وخارج كل نتائج المسار التأسيسي وتدعو إلى تكوين حكومة تكنوقراط  وإلى انتخابات عامّة مبكّرة لتشكيل خارطة حكم جديدة عبر حوار وطني بإشراف مستقلّ عن السلطات التشريعية والتنفيذية القائمة. وهو خيار ينسف نتائج الانتخابات الأخيرة بدعوى عجز منظومة الحكم الحالية عن تحقيق وعودها ويصب مباشرة في ضرب الديمقراطية الحزبية نهائيا بدعوى أن شرعية الأداء مقدّمة على شرعية الانتخاب. هذا الخيار يتبناه حزب مشروع تونس الذي نجح زعيمه المغامر في تحقيق تموقع سياسي سريع ومؤثر بعد انشقاقه عن حزبه الأم وتأسيس "جبهة إنقاذ" تضمّ  مؤسّسين منشقين عن نداء تونس لم يقطعوا صلاتهم تماما بحزبهم الأوّل طمعا في وراثة محتملة لهياكله مع أول أزمة كبرى قد تطيح بقيادته الحالية، أو طمعا في العودة إليه مع أول أزمة تحصل داخل جبهتهم الجديدة التي يقودها رجل يعرفون أن "أناه" لا تقبل القسمة، إلى جانب شخصية "إشكالية" ممتلئة بوهم القدرة على شراء مسيرة سياسية جاهزة تبدأ بالحكم.
خاتمة             
 في الأثناء، قد تتغيّر ملامح المحور الأول في شقه الحاكم فتتغيّر الحكومة الحالية انفتاحا على مكوّنات جديدة( إن حصلت مبادرة رئاسية شبيهة باتفاق قرطاج) أو تقلّصا بحكم التحويرات المتتالية التي تشهدها، وبحكم اتجاه بعض مكوّناتها(الجمهوري والمسار وربما آفاق بدرجة أقلّ) إلى القفز من مركبها المترنّح، وفي شقّ المعارضة الديمقراطية بانضمام الجبهة الشعبية التي تتردّد في المغامرة بالذهاب بعيدا في خطابها الانفعالي الداعي إلى انتخابات تشريعية مبكرة رغم رفضها منذ أيام لموعد الانتخابات المحلية بدعوى عدم توفّر الظروف المناسبة لإجراء انتخابات. أما المحور الثاني فمن الصعب توقّع سلوكه السياسي لأنه يصدر عن منطق لا ينتمي كلّيّا إلى السياسة، بل أن جزءا كبيرا منه تمليه رهانات مالية وسياسية إقليمية وفي الأغلب منه نزعات شخصية قد تفاجئ حتى أصحابها. وفي الانتظار سيواصل التاريخ توقّفه في محطّته التونسية حتّى "يريد" التونسيون مرّة ثانية كما "أرادوا" مرة أولى، أو تتبخّر من بين أيديهم فرصة لا جود بها التاريخ كثيرا.     
عبد الرزّاق بلحاج مسعود
عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسيّة.
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك