القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

 سلطنة عمان :  ديبلوماسية الوساطة بين ثوابت السياسة والمتغيرات الاقليمية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-12-21 07:55:38 | 606 مشاهدة
مقدمة
بدت السياسة الخارجية للسلطنة العمانية لغزا عند الكثيرين، وتغريدا خارج السّرب لدى لفيف اخر.  بينما كانت الديبلوماسية الهادئة والسّمت المحاور عين الحكمة لدى سلطنة عمان. بين كل هذه  التقاطعات والاراء جميعا خطت عمان سياسة  يبدو اثرها واضحا وقيما في  ما تسلكه من استراتيجية متجليا  في نتائج  ما انتهجته من سياسة وتوجه. وعلينا التساؤل عن النتائج التي أفضت اليها الوجهة السياسية للديبلوماسية، وهل كان رميها مسددا ام أخطات الهدف وجانبت ما تعارفت عليه الدول من أعراف وانساق؟
ديبلوماسية هادئة بين أحكام الجغرافيا والتاريخ :
سنة  1970  كانت  لحظة  بداية  للنظام السياسي الحاكم في السلطنة. كتب المؤرخ  "كينيث كاتزمان" في تقريره إلى الكونجرس الأمريكي ملخصا التاريخ العماني بالقول: “ظل العمانيون مستقلين منذ طردهم للاستعمار البرتغالي عام 1650م، ثم قامت دولة آل بو سعيد عام 1744 التي امتدت إلى زنجبار ومناطق أخرى من الساحل الشرقي الأفريقي حتى عام 1861. وقد انتهت الثورة الطويلة التي قادها إمام عمان وهو رأس المذهب الإباضي عام 1959 الذي يشكل أتباعه الإباضيون 75% من السكان. ولد السلطان قابوس بن سعيد في نوفمبر عام 1940 وهو الحاكم الثامن عشر في دولة آل بو سعيد، وقد تولى عرش عمان في يوليو 1970” وقبلها باكر من قرن . كانت العلاقة بين السلطنة   والولايات المتحدة،  وبين الشرق والغرب قديمة في التاريخ، السيد سعيد بن سلطان السعيد 1806- 1856- الذي يصف المؤرخون  فترة حكمه بانها كانت  لسياسي أمكن فيه إقامة علاقات واسعة مع الدول الكبرى. وكانت سنة 1883 موعد إمضاء أول اتفاقية تجارية بين أمريكا ومسقط وأول دولة خليجية، وظلت سارية المفعول حتى تغييرها سنة 1956 بمعاهدة جديدة. أبحرت بعدها  السفينة  الشراعية "سلطانى"  الى الولايات المتحدة الامريكية. فقد اورد السفير الامريكي في مصر سنة  1962 متحدثا عن الحدث :"   ظهرت في الأفق سفينة تتهادى صبيحة فجر 30 ابريل 1840 بعد انفلاق الصبح لتفادى اللسان الرملي، في رحلة من زنجبار بداية من شهر   فبراير ووصلت شهر افريل".
على مدى اربعة عقود ونصف كانت سلطنة عمان  تفاجئ المراقب من حين لآخر على قدرتها بالامساك بملفات في المشهدين الاقليمي والدولي. ونجحت طويلا في ان تحتفظ لنفسها بحرية الحركة وبالمصداقية في ادارة ازمات كثيرة لم تكن طرفا فيها وهو ما جعلها تحظى بثقة كافة الاطراف الاقليمية والدولية، وذلك بعيدا عن سياسة المحاور والتحالفات الضيقة التي تتصدر المشهد الاقليمي. سمح لها الموقع الجغرافي بحماية التجارة الدولية للنفط  بجولة  ديبلوماسية بين المعابر والعابرين  تجعل السلطنة دولة مؤسِّسة لتجمّع الدول المطلة على المحيط الهندي,  بثوابت سياسة قائمة على حقائق جيوستراتيجية وليس على التغيرات الايديولوجية  المتقلبة والمؤقتة،  التي يمكن أن تتغير معها التحالفات. في دولة لا  تقبل التدخل في شؤون غيرها ،وبالمقابل ترفض على الإطلاق  التدخل في شؤونها الداخلية. اختارت السلطنة نهجا بين السبيلين، بقواعد واضحة وصارمة تروم علاقات متينة تقوم على الصداقات والتعاون والشفافية، تحكمها نظرة متأنية للواقع الاقليمي. 
تجلت ملامح التوفيق الديبلوماسي  في  النقاط التالية:
1-حفظ التوازن على ضفتي الخليج العربي والدخول على خط الازمة السورية وامكانية تحقيق التقارب بين السعودية وايران.
2-دورها غير المباشر في اتمام تسوية الملف النووي الايراني مع القوى الغربية.
3-اهتمام السلطنة بتسوية ملف حدودها البرية والبحرية  مع كل جيرانها.  وكلها مواقف   عكست الثوابت في السياسية الخارجية العمانية، ممضية اتفاقيات دولية لجعل الحدود معابر لتبادل المنافع والمصالح .
4-المساهمة في تأسيس  واحد من انجح التكتلات الاقليمية  في المنطقة في 25 مايو 1981 ، وهو مجلس التعاون الخليجي، المنظمة الإقليمية المكونة من 6 دول أعضاء تطل على الخليج العربي هي الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت.
سياسة عدم الانحياز وصفر مشاكل  :
بسياسة الخط المعتدل والواقعية وبحكم حاول ان يراوج بين الاصالة والمعاصرة والحداثة و الإسلام والأعراف والوافد من انتاج العالم فكرا ومنتجات في انفتاح واضح ،لم تتغير ديبلوماسية السلطنة رغم الاحداث العاصفة التي مرت بالمنطقة  بل تعتبر علاقاتها  بالخارج من علامة النضج السياسي.  فان يعيش البلد في محيط غير معاد، يعني هذا الأمان الداخلي وتحسين العلاقة بالجوار الاقليمي مما يخفّض من نفقات عديدة اجتماعا وتسلحا واقتصادا.  ويمكن إطلاق صفة  سياسة "عدم الانحياز"  على السياسة الخارجية العمانية تأسيا بتسمية المؤتمر المتكون من 29 دولة، في  باندونغ 1955، الذي قرر عدم الانحياز إلى أي معسكر رأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية  او اشتراكي بقيادة روسيا والصين، اثر انتهاء  الحرب العالمية الثانية. في سمت هادئ لا يلغ في الدماء ونميمة الاسماء  ولا فيما لا يعنيه،  كانت وجهة السياسة العمانية سالكة  اقوم المسالك  في اقوم الممالك حسب- ملاحظين- في محيط اقليمي متعدد الاستقطاب ومتغير الثوابت، وتلك اهم خصائص السياسة في البلاد. ورغم وجودها في مجلس التعاون الخليجي واحد اركانه منذ تاسيسه، ظلت السلطنة على علاقة هامة بالجمهورية الاسلامية في ايران بل ظلت طهران  شريكا اساسيا له، دون تجاهل للقوى الكبرى المؤثرة دوليا مثل الصين والهند وباكستان.ونجحت الديبلوماسية العمانية الحيادية والايجابية  في جمع ما تناثر من عقد العلاقات المتنافرة وقربت الكثير من تباين الاراء. وكانت الغاية التزام السلم منهجا أساسيا والناي عن عسكرة الصراعات والابتعاد عن تهديد الجوار وعدم الانحياز الى أي طرف من الاطراف مهما اقترب جغرافيا ام سياسيا وبقيت القوات المسلحة العمانية  ووفقا لما يسمى "النظام الاساسي" او  دستور السلطنة محظور عليها ان تعمل خارج اطار مجلس التعاون الخليجي, مما جعل البلد متميزا من حيث الرؤية والحركة الاستراتيجية حتى اعتبرها البعض حالة فريدة في العالم من حيث نمط الحكم. واستطاعت بمرور الزمن ان تنتقل من مرحلة الانعزال الى الاندماج في المحيط الاقليمي دون نسيان اثر الميراث التارخي للبلد. كانت البداية في الملف النووي الايراني واليمني ثم السوري ، و كانت حكاية الوساطة العمانية التي  خرجت فيها عمُان عن مدارها  السياسي الكتوم الى وسيط معلن حسب -مراقبين - يحاول ان يجمع خيوط الازمة السورية ويبدو ان سوريا راهنت في لحظات على مسقط لانها مقبولة من ايران، واليمن الشرعي والحوثيين في ذات الوقت  والغرب وامريكا. 
مضيق هرمز قد يكون واحدا من العوامل السياسة العمانية المختلفة فاطلالة السلطنة على المضيق ومشاركتها ايران التحكم بمياهه كانت سببا في رغبة مسقط تفادي التصعيد مع طهران .وموقعها الجغرافي يجعل منها طرفا أساسيا تحت مظلّة مجلس التعاون الخليجي. موقع ذو بعدين طالما سعت مسقط للتوفيق بينهما .فعرف عنها اختيارها لاوتار مختلفة في سياساتها يصفها البعض بالحياد واخرون بسياسة الوساطة.وهو دور  متواصل ترجمه موقفها من الحرب العراقية الايرانية 1980-1981- الذي وقفت فيه دور المتاسف لاستمرار الحرب بين بلدين جارين لم تذك فيهما نار الفتنة ولم تصب زيتا على نار.  ونات بنفسها في  ازمة سنة 1991 حين غزا صدام حسين الكويت وكانت مشاركتها على استحياء  بسيطة وظل الحياد السمة الاساسية في السياسة وفي جميع الازمات.  الجدل متواصل بشان السياسة العمانية منذ عقود  التي فرشت السجاد الاحمر لجيرانها كما للغرماء لتعزز مصالحها مع الغرب ومع دول الجوار. مرّرت مسقط عبر بوابة وزارة خارجيتها  أولى رسائل واشنطن  الى طهران. وعبرها ردت طهران، لتستضيف ارضها بعد ذلك المفاوضات الإيرانية الأمريكية, مما شرع لمسقط ابوابا واسعة لتعزيز تعاونها مع الجارة الاخطر طهران.  إذ هدهدت في الآن نفسه  من تخوفات الامريكان و من تخوفات الايرانيين وجمعتهم في لقاء 5+1وهذا دليل على اهمية الدور العماني. وامسكت العصا من الوسط في الربيع العربي، فلم تتخذ موقفا علنيا مما جرى في عواصمه لتلعب لاحقا في أجواء تبعاته بذكاء .وفي اليمن غردت خارج السرب ولعبت مع الأطراف كافة فسجل لها الغرب نجاحات تفاوضية ديبلوماسية لدورها في الوساطة  واحترافها. و في الأزمات الأخيرة  انتقلت الى التموقع حتى لا يجرها الحدث والمتغير الجيوستراتيجي، إذ صارت الأحداث قريبة منها جغرافيا وخروجها من التخندق في الازمة اليمنية جعلها طرفا مقبولا كوسيط دولي محايد، ولترابط قضية اليمن  مع القضية السورية وقد اثنى عليها الوسطاء  لدورها في تحرير ديبلوماسيين امريكيين وبريطانيين احتجزهم الحوثيون خلال الحرب اليمنية.إضافة الى دورها في  لملمة الحوار اليمني مع الحوثيين. لم تنضم الى مظلة التحالف العربي في اليمن واختارت أن تبقى في خندق سياسة القوة الناعمة وهو خيار يعود إلى الرغبة في وجود مسقط مع كبرى العواصم الفاعلة في الازمة السورية. حتى  تساءل كثيرون  السر الكامن في وساطة عمان عجزت عن حلها دول اقليمية ومحوريا. خاصة انه تاريخيا عرف عن السياسة العمانية  التقوقع مع قضايا الأمة العربية والإسلامية. والواقع أن  الدول العظمى  احتاجت إلى دولة محايدة في الموضوع لا تكون طرفا ولا يحمل عليها أحد إصرا سياسيا. بعد الأزمة اليمنية الاخيرة وعملية عاصفة الصحراء التي قامت بها المملكة العربية السعودية منعا للتدهور الجيوستراتيجي في المنطقة بعد أن صارت إيران تتقدم في الخليج العربي، زار الملك سلمان  بعد توليه الحكم اثر وفاة الملك عبد الله في جولته الخليجية كل دول مجلس التعاون الخليجية الا مسقط عاصمة السلطنة. فقد انطلقت الازمة الصامتة بين المملكة العربية السعودية وعمان بعد توجه وفد مفاوض من الحوثيين الى الكويت  على متن طائرة وفرتها  السلطنة، واشترطت السعودية ان يقع تفتيش الطائرة على أراضيها قبل عودة الوفد المفاوض الى العاصمة اليمنية صنعاء  للتأكد من هوية الركاب. تظل السلطنة  عنصرا أساسيا في دول مجلس التعاون ولكن الكل صار يتقبلها في هذا المنحى بقبول دائم  في رؤيتها المغايرة للملكة العربية السعودية التي اعتبرت أن عمان كان يمكنها ان تكون  محايدة في القضية السورية او الملف النووي الايراني، اما موقفها في القضية اليمنية فهو ما لم تقبله المملكة العربية السعودية وعاتبتها عليه،إذ  اتخذت كل دول الخليج موقفا مساندا للشرعية في اليمن ودحر قوات علي عبد الله صالح.ولكن تبقى  المسالمة طبيعة عمانية في دولة بحرية فتحت بالدعوة دون سلاح ، ويستند فقهاء السلطنة الى حديث نبوي ورد في صحيح مسلم جاء فيه في حديث "أبي برزة"  ان النبي  أرسل رجلا  إلى قوم  في حي من احياء العرب يدعوهم الى الإسلام  فسبوه وضربوه فقال النبي:" ولو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا  ضربوك ". وهو ما رواه القرطبي في "المفهم في شرح صحيح مسلم" أن  أهل عمان  اهل  أخلاق وعفاف  وتثبت، ما رموه بسهم او حجر". و إن تحقّقُ الأمن في عمان كان السبب في استقرار يغبطها عليه الجميع  و هو ثمرة  ديبلوماسية  هادئة اعترفت  بالاخر و نجحت في تجنب الانزلاق في كل المنحنيات السياسية الصعبة.
خاتمة:
 الحوار ليس رغبة في الهيمنة والسيطرة بل بحث مشترك عن الحقيقة  في اطار الممكن السياسي وقراءة في ميزان القوة والمبدإ. وتجاهل الجوار الاقليمي والعربي او التعالي عليه، قد يكون مرتفع  التكلفة وهو ما تجنبت السلطنة الوقوع فيه رغم الانفتاح على قوى عظمى. إذ لم تتوان السلطنة يوما في الاعتراف بخبرات وكفاءات عربية تطعّم بها الخبرات الداخلية الوطنية في سياسة انفتاح دائمة مع المحيط العربي. وفي آخر الاتفاقيات بينها وبين تونس ،  تولى  يوم 15 ديسمبر 2015،   خميس الجهيناوي  وزير الشؤون الخارجية في زيارة  أداها  إلى مسقط، التقى خلالها  فهد بن محمود آل سعيد  نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء بالسلطنة,  الإمضاء   على محضر اجتماع الدورة الثالثة للجنة التشاور السياسي و اتفاقية الإعفاء المتبادل للتأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والخدمة بين البلدين. اشادت إثرها السلطنة بالكفاءات التونسية  بخصوص المنظومة التربوية، حاثة على التعجيل  بعقد الدورة 15 للجنة المشتركة التونسية العمانية التي تشرف عليها وزارتا التربية في البلدين.
سليم الحكيمي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك