القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

 اليسار وتحدّي الديمقراطية : تونس نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-10-24 15:56:09 | 298 مشاهدة
ملخص : 
تبدو اشكالية المسافة بين ما هو نظري وما هو عملي فيما تؤمن به الاحزاب اليسارية وما تستطيع انجازه واقعا حين الوصول الى السلطة أمرا يحتاج الى اعادة قراءة . فاكراهات الواقع السياسي و الاقتصادي وتفلّت مفرداته قد تجعلك  ترفع  شعار اليسار وسلوك يمين طالما اتهمته . وهذا ما وقع لبلدان شيوعية كثيرة واحزاب يسارية تخلت عن شعاراتها  كرها وطوعا، كحزب العمال في بريطانيا والحزب الاشتراكي في فرنسا.. .وكذلك  الحال في الغرب الاشتراكي والصين الشيوعية ...وبين يسار كلاسيكي ارثوذكسي متحجر وآخر متكيف مع واقع اقتصادي عالمي ليبرالي، تتغير المسافة بين المبدا والحقيقة الواقعية  التي لا تسمح لك بشتم المؤسسات المالية الدولية والتمرد عليها ، بل بضرورة التعامل معها. وتبدو الجبهة الشعبية في تونس، وهي كبرى مكونات اليسار التونسي  في قلب مازق المفارقة بين  الشعار والواقع رغم محاولة التكيف احيانا. المقال قراءة ومقارنة بين يسار غربي وتونسي في واقع دولي هيمنت عليه ثقافة اقتصادية عالمية ليبرالية  نقيضا لمبادئه و شعاراته.. 
مقدمة:
لقد دخلت الجبهة الشعبية في تونس خلال الاسابيع الفارطة منطقة تقلبات أسالت كثيرا من الحبر، في اطار الاستهلاك السياسي والاعلامي الذي يمثل الخبز اليومي للراي العام في تونس. ونرى ان قضية اليسار وقيمه وكيفية الانتقال بها من مستوى الافكار والمبادئ الى مستوى الواقع والممارسة مسالة جوهرية في اطار البناء الديمقراطي. ولذا وجب وضع الإشكالية في سياقها الارحب تجاوزا  للتّبسيط استئناسا بتجارب اليسار في البلدان الديمقراطية.
اليسار المعاصر: بين المثالية والبراغماتية :
يمكن تعريف علاقة اليسار بالديمقراطية على أساس التنازلات المتبادلة والحلول الوسطى. فالاصل ان اليسار معاد للديمقراطية، بما انه فكر ثوري قائم على الماركسية و اللينينية. فبالنسبة الى المنظرين الأوَل، ليست الديمقراطية الاّ نظاما بورجوازيا بامتياز. وقد نقدها ماركس وغيره على هذا الاساس،معتبرين ان الحرية السياسية ليست الا عتبة للحرية. فالانسان ،كما يؤكد ماركس،ليس حيوانا سياسيا،بل انه حيوان اقتصادي. ولذا فان حياته الشكلية في اختبار ممثليه لا تعدو ان تكون ذرا للرّماد في العيون. اما الحرية الحقيقية ،فهي تلك التي تتحقق بالمساواة الاقتصادية وبتجاوز الاستلاب الذي فرضه فصل الراسمالية بين العامل ووسائل الانتاج.
تكفي هذه السطور لبيان الهوّة الفاصلة بين ما يسمى باليسار الكلاسيكي والديمقراطية. ولكن تطور الفكر اليساري مكّنه من التاقلم نسبيا مع النظام الديمقراطي ، من دون ان يتحول هذا التاقلم الى وئام كامل. و الديمقراطية التي نقصد هي تلك التي تمارس في البلدان المعروفة بكونها ديمقراطية اي ان حديثنا ليس على مُثل الديمقراطية ،بل عن حقيقيتها. وهذا التمييز أصل التناقض الذي تعاني منه اكثر الاحزاب اليسارية  في اوربا. رغم ان هذه الاحزاب متصالحة في عمومها مع المثل الديمقراطية ،فانها كثيرة الصدام مع حقائقها. وأوّل تلك  الحقائق الصلة الجوهرية بين الديمقراطية والليبرالية. فكل الانظمة التي يُجمع الراي العام على انها ديقراطية هي ،على اختلاف بُناها الاقتصادية ليبرالية اساسا. اي ان اليسار حين يتبنى الديمقراطية ،انما يضع نفسه في تناقض بين مبادئه المطلقة وحقيقة الواقع الذي يتحرك في اطاره. ولتجاوز هذا التناقض ،يستغل الخطاب اليساري اللُّبس  الواقع بين المثل الديمقراطية وحقيقيتها. فينحاز الى المُثل وقت الحملات الانتخابية ،وينحني للواقع وقت ممارسة السلطة. وان كان هذا الانحناء مرتبطا طبعا بسياق التجربة وإكراهاتها و بمدى قدرة القوى اليسارية المختلفة  على ادخال شيئ من الاصلاحات تجعلها قادرة على ايجاد ارضية مشتركة مع الليبرالية في اطار الحلول الوسطى. وهو ما عبّر "تُوني بلير" ،زعيم حزب العمال البريطاني السابق حين قال : ان الحملات الانتخابية تُدار شعرا أمّا الحكم فانّما يُمارَس نثرا".
ويمكن اختصار هذه الحلول الوسطى منذ بداية القرن الماضي الى أربع مراحل كبرى. كانت اولاها مرحلة الانتقال من الثورة الى الصندوق. وقد استمرت الى حدود الحرب العالمية الثانية. اما المرحلة الثانية ،فكانت فترة الحكم  من خلال الليبرالية الكينيزْيانية والسياسات الاجتماعية ما بين  سنة 1945 وازمة السبعينات. واما المرحلة الثالثة ، فقد بدات وسط السبعينات واشتدت بعد انهيار المعسكر السوفياتي وبداية العولمة. ويمكن وصفها بانها فترة دفاعية من اجل الحفاظ على المكتسبات المهددة. ويعيش اليسار اليوم فترة رابعة في علاقته بالديمقراطية تهيمن عليها اعتبارات ثقافية ومجتمعية عوّضت تدريجيا الاولويات الاقتصادية والاجتماعية القديمة. اما المرحلة  الاولى فقد كان تبني اليسار فيها للديمقراطية إجرائيا على اساس اعادة النظر في متطلبات تحقيق مشروعه. فخطورة الثورة كوسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية جعلت قياداته في اوربا تفكر جديا في وسائل اخرى. خاصة ان تعميم حقّ التصويت قد غيّر المعادلة مبشرا بإمكانية الاستفادة من التفوق العددي لطبقة العمال من اجل الوصول الى السلطة ،ومن ثمة فرض المُثل الماركسية ولم تنجح هذه التجربة طبعا. قد اكتشف اليساريون ان التفوق العددي لطبقة العمال لا يكفي احيانا حتى لضمان وصول الاحزاب الاشتراكية الى السلطة ،ناهيك عن فرض التغييرات الجذرية التي كانت تحلم بها. ومن ثمة جاءت نظرية الهيمنة الثقافية للفيلسوف  الايطالي "انطونيو غرامشي"  الذي اعتبر انّ البرجوازية قد نجحت في فرض التبعية على قطاعات واسعة من الطبقات الكادحة. وقد شهدت الفترة الثانية بداية انقسام جوهري ما بين يسار كلاسيكي متشبث بمبادئ الشيوعية بشتى تفريعاتها،ويسار اصلاحي يسعى الى الحكم ويقبل بالليبرالية مع السعي قدر الإمكان الى تطوريها بما يتوافق مع مبدا المساواة. فكان الاتفاق ،على تخلي الليبرالية على الاكتفاء بالمساواة أمام القانون وتخلي الاشتراكية على غاية المساواة المطلقة ،من اجل التاسيس لطريق ثالثة تقوم على المساواة في الفرص. ورأى الراديكاليون ان مثل هذه الحلول الوسطى قد خدمت الليبرالية اساسا. لانها عمقت تبعية الطبقة الكادحة وحمت الراسمالية زمن الحرب الباردة. في حين اعتبرت الاحزاب الاشتراكية ان اعتدالها قد مكّن من الارتقاء بوضع الطبقات الشعبية دون تهديد منجز الديمقراطية.
ولكن الفترة الثالثة شهدت انقلابا في موازين القوى ،خاصة بعد أزمة السبعينات والتراجع التدريجي للخطر الشيوعي. اذ ان الاحزاب الاشتراكية قد وجدت نفسها أمام تناقضات كانت ظنت انها تجاوزتها. فقد استعادت الرأسمالية ثقتها بنفسها ،خاصة مع صعود اليمين الجديد الذي اتهم السياسات الاجتماعات بالتسبب في ازمة تتجاوز المستوى الاقتصادي باعتبارها ذات أبعاد اخلاقية مرتبطة بانتشار التواكل وتراجع قيمة العمل. وقد سعى اليمين الجديد الذي تزعمه "رونالد ريغن" في امريكا و"مرغريت تاتشر" في بريطانيا  الى الحد من تدخل الدولة في الاقتصاد والى تحرير السوق والتقليص من القواعد المقيدة لحركة الاقتصاد ،خاصة في ما يخص قوانين العمل والتعاملات التجارية والمالية محليا ودوليا. وهي عوامل نقلت  الاحزاب الاشتراكية من الهجوم الى الدفاع. فضعفّت وعود الاصلاح لديها ،واكتفى خطابها بالالتزام بالدفاع عما تسميّه المنجزات الاجتماعية المحققة. وهو خطاب سلبي زاد في عمق الانقسامات في صفوف الاحزاب اليسارية باعتبار ان الاحزاب الاشتراكية المتعودة على ممارسة السلطة قد ظهرت في ثوب المحافظين الساعين لتجنب التغيير. فالتغيير قد اخذ منحى ليبرليا وبعدا اكراهيا. مما يعني ان الاحزاب اليسارية كلما وصلت الى السلطة وجدت نفسها مظطرة لاتباع سياسات تختلف جوهريا عن خطابها. بل ان حزب العمال البريطاني بقيادة "توني بلير" قد غير المعادلة حين تخلى عن الوعود الكلاسيكية للاحزاب اليسارية من خلال حذفه لما يسمى بالبند الرابع، وهو البند الذي كان حزبه يعد من خلاله بتأميم وسائل الانتاج. فكانت النتيجة ان الاحزاب الاشتراكية قد تحولت الى وسط  يميل جديا نحو اليمين،حتى ان" توني بلير" كثيرا ما كان يُقدَّم على انه احسن خَلَف ل"مارغريت تاتشر" .
وبالتالي تكون العولمة قد فرضت نموذجا اقتصاديا يقترب من الهيمنة. وهي من اقوى الحجج التي بنى على اساسها "فوكوياما" نظريته لنهاية التاريخ. ورغم ان هذه النظرية محل مساءلة ،فلا ينبغي الاستهتار بحججها. فبلد كالصين يتبنى اليوم الشيوعية سياسيا ،ولكنه يعمل وفق نظام راسمالي يمكن اعتباره اكثر عنفا من البلدان الليبرالية. وعلى عكس ما توقع ماركس ،لم تؤد الراسمالية  الى الشيوعية ،بل ان العكس هو الذي وَقَع.
وقد كانت النتيجة ان عجزت الاحزاب اليسارية عن إنتاج خطاب منسجم  وان عادت للمراوحة بين نقيضي المثالية والواقعية. فقد كان "فرانسوا هولاند" مثلا شديد الشراسة في نقد اسواق المال قبل وصوله إلى السلطة في حين جاءت سياساته بعد وصوله أليها أكثر ليبرالية من أسلافه اليمينيين. وهو ما دفع بالاحزاب اليسارية عموما إلى السعي للدخول في مرحلة رابعة تسعى من خلالها الى الحفاظ على تميزها ، لا على اساس اقتصادي واجتماعي بل على اسس ثقافية ومجتمعية. وبالتالي اصبح التركيز على البعد الثقافي في تحديد هويّة الاحزاب اليسارية مصدرا محوريا لانتاج الانسجام بين القول والفعل، بين الوعود الانتخابية والسياسات عند ممارسة السلطة. وذلك مثلا من خلال الدفاع عن الفئات المتعرضة للتمييز كالمرأة والأجانب والمِثليين.
ولكن هذه المرحلة  تبدو محدودة في الزمان والمجال. فقد فرضت الحسابات الانتخابية على الكثير من القوى اليمينة تبنى ابرز هذه القضايا. وعلى سبيل المثال كان المحافظون في بريطانيا وراء منح حق الزّواج للمثليين. وهو ما زاد في إضعاف حزب العمال الذي يجد نفسه في ازمة متجددة.  فهو امّا ان يزيد في اقترابه من الليبرالية فيتحول بشكل واضح الى حزب يميني لا يملك من اليسار الا الاسم. وفي ذلك تهديد لهوية اليسار كقوة سياسية مستقلة. واما ان يعود الى التركيز على قيمه الكلاسيكية ،مع ما يعنيه ذلك من انغلاق على قواعده الضيقة بما قد يحرمه من اية فرصة حقيقية للوصول الى السلطة. ونتيجة ذلك ان الاغلبية الساحقة من البلدان الاوربية تحكمها أحزاب يمينية. وحتى الأحزاب اليسارية التي لا تزال في الحكم كالحزب الاشتراكي الفرنسي، تعاني من التشظي ،وفرصتها في المحافظة على مواقعها تكاد تكون منعدمة.
اليسار التونسي ومعضلة المعارضة المزمنة:
رغم حالة الانقسام التي يعاني منها  اليسار التونسي فان أحزابه تحوي في نسيجها بذور تشرذم اكبر . قد تظهر معالمه أسرع مما يتوقع قادته التاريخيّون الذين يظنون انهم قد وجدوا ترياقا ناجعا لهذا الداء. ويمكن تلخيص وصفته الى عناصر: اوّلها اللُّبس وثانيها المعارضة وثالثها التخفّي .ولكنها اسلحة ذات حدين لان الافراط في استخدامها قد يؤدي الى العزلة السياسية.
اما اللُبس، فانه يتعلق بالأساس بموقف اليسار من النموذج الاقتصادي السائد. وما يقرب بين خطاب القوى اليسارية المختلفة اجماع اصحابه على ضرورة تغيير النموذج المذكور. وذاك مطلب لا يكاد يختلف عليه اثنان في تونس. ولكن تواتر استخدام هذا المصطلح يكاد يفقده المعنى. لان السؤال الذي لا تجيب عليه هذه العبارة المبهمة هو طبيعة التغيير المطلوب وقواعد النموذج المرغوب. وليس السؤال بالبساطة التي تتبادر الى الاذهان. فهو يرتبط بالاسس التي يقوم عليها الفكر اليساري. ذلك ان تغيير اي نموذج اقتصادي واجتماعي اما ان يكون في إطار اقتصاد السوق او ان يتم ضده. مما يعني ان إجماع الخطاب السياسي على مطلب عام من هذا القبيل شماعة تخفي اختلافا جوهريا حول المبادئ القيمية التي ينبغي ان ينحاز اليها التغيير المطلوب. وتكمن الصعوبة في الاوساط اليسارية التونسية في تداخل الابعاد الثقافية مع الابعاد الاقتصادية والاجتماعية. اي ان الكثيرين يعرفون أنفسهم على اسس تقدمية بالمعنى المجتمعي رغم ما يلف مواقفهم الاقتصادية والاجتماعية من ميل للمحافظة خاصة فيما يتعلق بتبني اقتصاد السوق. وهو يعني تأجيل فتح النقاش حول ما يراد فعله على ارض الواقع. ومادام اليسار يصر في كل عزم على الاكتفاء بدور المعارضة  فان بإمكانه ان يتجنب طرح مثل هذه الاسئلة. ولكن هذا الموقف رهان عال المخاطر ،إذ انه قد ينتقل باصحابه من المعارضة المبدئية الى المعارضة المزمنة. وهو امر منفّر لمتوسط الناخبين  ومثال ذلك ما راكمته الجبهة الشعبية  وبعض قياداتها من رمزية سلبية حتى لدى الكثير من أنصارها. أما الاحزاب التي من الممكن ان تتحالف معها، ومن  بينها الأحزاب المناهضة للإسلام السياسي ،فانه قد تجد نفسها غير مستعدة لمنحها ما يكفي من الثقة بحيث تبني معها تحالفات دون  رهانات موجبة، كتولي السلطة مثلا. اي انها قد تقبل بالتعاون معها في سياق الاحتجاج، لما يضمنه هذا التعاون من صورة تقدمية لقوى متهمة بالانتماء للنظام السابق. على ان يتطور هذا التعاون بحيث يكون قاعدة للحكم المشترك عند زوال الحاجة للاحتجاج.
والمعارضة المزمنة  في ايّ سياق ديمقراطي تختلف جوهريا عن المعارضة المبدئية في ظلّ الديكتاتورية فلئن كان بالامكان تبرير هذه الاخيرة على اعتبار انها ضرورة لتجنب منح الشرعية لنظام مستبد ،فان الاولى اي المعارضة المزمنة موقف يقترب من الاقصاء الذاتي الذي يعترف من خلاله صاحبه بعجزه عن التأقلم مع محيطه السياسي، وهي نقطة البداية بحلقة مفرغة تغذي عناصرها بعضها البعض .اذ ان من طبيعة السلبية السياسية ان تفرض الحذر على باقي الأطراف التي تعي بان هذه الخاصية لا تعيق اصحابها عن تحمل المسؤولية فحسب ،بل انها قد تكبح جماح اي طرف يتحالف معهم بحكم ضعف الواقعية السياسية لديهم. فسرعان ما ينحرف عنصر الرفض الى استعداد دائم لاستخدام الضغط السياسي كوسيلة ابتزاز حتى ضد الحليف. وهو ما يزيد من صعوبة تاقلم من ابتلي بالمعارضة المزمنة مع محيطه. ومثال ذ لك تفضيل حزب نداء تونس القبول بالتقارب مع خصمه المباشر، اي حركة النهضة،  على السعي الجادّ لاقناع الجبهة الشعبية بالانضمام الى التحالف الحكومي.
وهو ما يحيل على العنصر الثالث المشكِّل لوصفة اليسار التونسي في مرحلة ما بعد الثّورة اي التخفّي. والمقصود هنا تجاوز اللّبس من اجل الايهام بمواقف اكثر ايجابية من خلال شعارات فضفاضة من أبرزها الدفاع عن صرح الديمقراطية ضد اعدائها. وقد  أوضحنا التناقضات التي يفرضها التمايز بين مثل الديمقراطية وحقيقتها. ومن الواضح ان خطاب اليسار التونسي اقرب اليوم للمُثل منه الى الحقيقة. ويتضح ذلك جليا من خلال تواتر وصف الليبرالية بالتوحش دون تنسيب ،او دون اقتراح بديل. اي ان المتكلم انما يطالب ضمنيا بديمقراطية دون ليبرالية  مما يستوجب التذكير بان كثرة ادعاء الديمقراطية لا يعني بالضرورة ايمانا بها. فألمانيا الشرقية كانت تسمى جمهورية المانيا الديمقراطية في مقابل جمهورية ألمانيا الفدرالية اي المانيا الغربية. فالمانيا الشرقية من اعتى الديكتاوتوريات كانت تسمى جمهورية المانيا الديمقراطية كما ان جمهورية الكونغو الديمقراطية لا يكفي لاثبات ان هذا البلد محكوم بنظام جمهوري وفق مبادئ الديمقراطية. وعموما ليس ثمة اي بلد ديمقراطي  يسمي نفسه كذلك. أما الاحزاب التي تُعرِّف نفسها بالديمقراطية ،كالحزب الديمقراطي في امريكا والحزب الديمقراطي المسيحي في المانيا ،فانها لا تقدم نفسها على انها ناطقة باسم الديمقراطية او محتكرة لمبادئها. ويمكن الذهاب الى حدّ الجزم بان اليسار التونسي حين اتهم بعد الثورة خصومه بتبني الديمقراطية اجرائيا فقط من اجل الوصول الى السلطة، انما كان يستحضر المرحلة الاولى التي مر بها اليسار الاوربي في قبوله بالديمقراطية  وسيلة لفرض مُثله.
أما محتوى خطاب اليسار التونسي فانه يقوم أساسا على تواتر مهاجمة راس المال الدّولي ومؤسساته المالية وعلى تخوين كل من يتعامل معها. وهو خطاب ذو جاذبية لدى الراي العام. ورغم ذلك ،فان نفاذه للوعي الجمعي يبدو محدودا لانّه لم يؤسّس لبديل قابل للتنفيذ على الارض. لان الكثير من التونسيين يعتقدون ان حدّة مواقف الجبهة الشعبية انما تعكس الرغبة في احراج الخصوم السياسيين في الداخل اكثر مما تعبر عن رؤية بناءة فعليا. ومثال ذلك الإلحاح في الدعوة للتخلي عن تسديد الديون الخارجية لتونس, فمتوسط المواطنين على وعي   بان لا قِبَل للاقتصاد التونسي بمواجهة راس المال العالمي ويعتقدون ان قادة اليسار يعلمون ذلك ايضا. ومهما يكن من امر، قد يكون تصوير الخصم السياسي الداخلي في ثوب الخاضع لإرادة المال الاجنبي ورقة رابحة سياسيا ولكن بشرط ان لا يطمح صاحبها جديا لممارسة السلطة. لانه ان مارسها سيصطدم بلا شك باختلال التوازن بين الوسائل الممكن تعبئتها والتحديات الواجب رفعها.
وتبقى المسالة الثقافية طوق النجاة الوحيد في يد الأحزاب اليسارية، اذ انها كانت وسيلتها للتقارب مع القوى السياسية الليبرالية ،خاصة خلال الفترة التأسيسية الاولى التي تركز فيها الصراع حول المسائل الايديولوجية والقضايا المجتمعية .وهي لحظة اجّلت طرح الاولويات الاقتصادية والاجتماعية ولكنها ادت الى هيمنة البعد الثقافي على عقول قادة اليسار الذين قد انخرطوا في المرحلة الرابعة من تطور علاقة اليسار بالديمقراطية دون المرور بالمرحلة  الثانية والثالثة وهي هيمنة أدخلتهم في صدام محموم مع أطياف الاسلام السياسي. ولم يتوقف هذا الصدام عند ذلك المستوى لانه كثيرا  ما ارتدى زيا مناهضة الطابع المحافظ للمجتمع التونسي وخاصة لدى طبقاته الشعبية. مما يعني انه صراع خاطئ وخاسر في نفس الوقت.
وبالاضافة الى الصعوبات الانتخابية التي يفرضها هذا التباعد مع جزء كبير من الناخبين الطبيعيين لليسار ،تجعل هيمنة البعد الثقافي من احزابه فريسة سهلة للليبرالية الاقتصادية. ففي تونس قوى سياسية ذات قناعات اقتصادية مغرقة في الليبرالية ،وهي مع ذلك تقدم نفسها على انها يسارية لمجرد كونها تتبنى معادة الاسلام السياسي. ومن بينها بعض الأطراف اليسارية التي ساهمت في قيادة حزب نداء تونس في مرحلته التأسيسية. في حين ان اطرافا أخرى ذات نزعة يسارية أصيلة تُصنّف على انها يمنية لكونها غير منتظمة آليا في مقاومتها للاسلاميّين. وحزب التكتل من اجل العمل والحريات من ابرز االامثلة  على ذلك.
خاتمة:
لقد أصبح الانقسام خاصية الأحزاب اليسارية في البلدان الديمقراطية عموما، ويمكن التمييز بين خمسة تيارات على اقل تقدير: التيار الراديكالي ذو النزعات التروتسكية ،والتيار الحمائي المناهض للتجارة الحرة والتيار النقابي المطلبي والتيار الاشتراكي الإصلاحي ،والتيار الليبرالي الاجتماعي. وتكمن أهمية هذا التقسيم في كون هذه العناصر الخمسة مجتمعة في قوى اليسار التونسي، وهو ما يفسر ضعف تاثيره فعليا، رغم ان اولويات المرحلة منسجمة بوضوح مع قيمه المؤسسة مما يفسح مجالا سياسيا لقوى منافسة من أبرزها الوسط الاجتماعي الذي لم ينجح بعد في احتلال الموقع الذي يستحقه في المشهد السياسي التونسي.
 
الدكتور ايمن البوغانمي 
عن مركز الدراسات الاسترتيجية والديبلوماسية.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك