القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

 الانتخابات البلديّة و المُصادقة على الحكم المحلّي   

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-04-29 09:36:00 | 2229 مشاهدة

 

ملخص                                          

في 14 أفريل الجاري انطلقت حملة الانتخابات البلدية التي تتنافس فيها أكثر 2074 قائمة انتخابية منها 1055 قائمة تمثل 22 حزبا سياسيا و860 قائمة انتخابية مستقلة، و159 قائمة انتخابية ائتلافية ، وذلك في سباق للفوز ب 7177 مقعدا موزعة على 350 بلدية. وقد شاب الحملة العديد من الخروقات والسلوكيات التي تنبئ عن تصورات أصحابها للعمل السياسي، كما تمثل تلك الممارسات بيانات أو معطيات شخصية لأصحابها تعكس شخصياتهم وعقلهم الباطن، ومن ذلك موقفهم من مجلة الجماعات المحلية التي كان من المفترض أن تكون جاهزة قبل الانتخابات، وتم تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في مارس الماضي لهذا الغرض.المعيار القيمي للانتخابات، وما شاب الحملة الانتخابية، التي ستستمر حتى 4 ماي القادم والجدل الدائر حول المضامين، دلالات مهمة لفهم مستوى المدنية التي تعني" التعايش" بعيدا عن التوحش الذي يعني الاقصاء، وتداعياته ومنها التناحر والصدام واللجوء لأدوات التوحش، وهي الاستهداف، بدلا عن آليات المدنية، ومنها الاحتكام للصندوق في إطار التنافس النزيه، والشفافية، والتكافؤ، وحياد الإدارة، والقبول بالنتائج.

 

مقدّمة

تشهد الحملة الانتخابية منافسة شديدة وصفها أحد الزعماء الوطنيين ب"الحرب السلمية الباردة" خلال أول انتخابات بلدية منذ ثورة 2011. ويتوقع للانتخابات البلدية إذا ما سارت في إطارها السلمي في العموم حتى الآن أن ترسم مستقبلا أفضل في تونس تبنى فيه قواعد إقلاعها السياسي والاقتصادي والثقافي على أساس متين. إذ أن الديمقراطية هي بوابة العصر، والاستبداد حارس التخلف ومثير الصراعات ومن شأن الانتخابات تثبيت الحريات والديمقراطية وإرساء سلطة الشعب. ولا شك بأن تونس وصلت إلى محطة مهمّة وهي الحكم المحلي وهناك قوى سيذكرها التاريخ بأنها ساهمت بالقسط الأكبر في بلوغ هذه المرحلة رغم عديد التأخيرات والتعطيلات من بعض الأطراف،  وهي أحزاب تعد على أصابع اليد الواحدة حيث لم تبد تحفظات، على مسار الانتقال الديمقراطي، في حين استثمر آخرون في الخوف والتخويف من الحكم المحلي، واستماتوا  وهم يخوضون الحملة الانتخابية في محاولة الاقناع بأنه لا جدوى من الانتخابات، بل اعتبروها تهديدا لوحدة البلاد واستقرارها، كعروس تزف وهي غير موافقة على الزواج. فأي سعادة ستجلبها لعريسها، وأي سعادة ستشعر بها وهي غير راضية عما آلت إليه ؟  في حين ينص الدستور التونسي في بابه السابع تحت عنوان "السلطة المحلية" على تكريس مبدأ اللامركزية المحلية والمشاركة الفعالة للمواطنين، وذلك في إطار وحدة الدولة التونسية.

أخلاقيات الحملة

تعكس الحملة الانتخابية التي حولت البلاد إلى كتل من النشاط الحزبي، لدرجة أن ولاية كسوسة شهدت لوحدها نحو 9 آلاف نشاط انتخابي حتى صباح يوم 24 أفريل 2018 . إذ أن الانتخابات البلدية ستنقل جزءا من الحكم المركزي في البلاد الذي استمر من 1956 وحتى الآن إلى اللامركزية، ونقل بعض صلاحيات المركز إلى الجهات والمحليات بالتدريج. وبذلك تنتصر نظرية الحرية وفلسفة الديمقراطية، على نظرية القهر وفلسفة الاستبداد في ممارسة السلطة. وهي سر التقدم الذي تنعم به الامم الحرة. كما أن الانتخابات البلدية التي نواكب حملتها التي تستمر 22 يوما من 14 أفريل إلى 4 ماي 2018 تحكمها قواعد سلوك تعرض مخالفيها كما سيأتي لعقوبات ومن ذلك حياد الإدارة وأماكن العبادة، وحياد وسائل الاعلام الوطنية، والحرص على شفافية الحملة من حيث مصادر تمويلها وطرق صرف الأموال المرصودة لها، واحترام الحرمة الجسدية للمترشحين والناخبين وأعراضهم وكرامتهم. وعدم المساس بحرمة الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية للمترشحين، وعدم الدعوة إلى الكراهية والعنف والتعصب والتمييز.

خروقات الحملة

شارفت حملة الانتخابات البلدية التي ستجرى كما هو مقرر في 6 ماي القادم على أسبوعها الثاني، وتقترب من الدخول في أسبوعها الثالث، وقد واكبت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الاعلام، هذه الحملة، وحجمها، والخروقات التي شبتها، حيث تعد بعضها مخالفات تفصل فيها هيئة الانتخابات، وبعضها يعد جرائم انتخابية تقضي فيها المحاكم، صدرت من مجهولين، وقائمات، ومرشحين. وقد شاب الحملة الانتخابية العديد من الخروقات حيث سجل "مرصد شاهد لمراقبة الانتخابات" عدة ملاحظات حول سير الحملة الانتخابية" في مقدمتها عدم حياد الإدارة، إلى درجة أن وزراء شاركوا في الحملة، وتمزيق الاعلانات والقائمات الانتخابية ، وبيانات الأحزاب المنافسة أو المستقلين، والتي لا ندري إن كانت استراتيجية للبعض، أو تصرفات فردية". كما لاحظ المرصد " برامج تتجاوز الصلاحيات الممنوحة للمحليات،  فهناك من يتحدث كما لو كان في انتخابات برلمانية أو رئاسية. علاوة على لصق صور القائمات في الأماكن غير المخصصة لها، لا سيما أماكن القائمات المنافسة، والتركيز على الصورة أكثر من البرنامج، إذ أن الصورة لا تعكس البرامج التي  تشابهت ولم يراع فيها أصحابها بعض الخصوصيات، وحاجة كل محلية، فبعض المحليات لها مشاكل مختلفة عن الأخرى رغم بعض الحاجيات الجامعة لكل البلديات. ولا شك بأن  الانتخابات غير المتوازنة هي انتخابات غير عادلة، بما يحيل على النزاهة. ففي الحملات الانتخابية يجب أن تكون الإدارة محايدة، وليست طرفا في العملية ، وكان على المعنيين البقاء في أماكن عملهم وعدم خلط العمل الإداري بالنشاط الانتخابي، واستخدام السيارات الإدارية في الحملة الانتخابية. وكانت منظمتا" مراقبون" و"عتيد" قد أصدرتا بيانا حول التجاوزات التي شابت الحملة الانتخابية، ومنها أن  هناك العديد من التجاوزات من بينها تمزيق القائمات والاستحواذ على أماكن القائمات المنافسة والسماح لأمني سابق بنشر صورته بالزي الأمني وقدّم نفسه كعقيد بقوات الأمن الداخلي، وهو ما يمنعه القانون، و تعليق قائمات بصور المترشحين دون المترشحات، وهو غمط للحريات وتمييز ضد المرأة، وهناك شكايات  من تعطيل حركة المرور في بعض المدن بسبب الطريقة المستخدمة في الدعاية الانتخابية كاستخدام طوابير سيارات الأجرة ، وتنظيم زيارات للمستشفيات واستغلال مرفق عام لخدمة أهداف انتخابية وهو ما يمنعه القانون. وتم تجاوز أخلاقيات الحملة حيث استخدم العنف ضد قائمات منافسة. وعلى هيئة الانتخابات المحمول عليها اتخاذ الاجراءات التي يخولها لها القانون سواء في المخالفات التي تفصل فيها، أو الجرائم الانتخابية التي يتوجب عليها رفعها للقضاء. 

المخالفات بالأرقام

هيئة الانتخابات تتابع عن كثب سير الحملة الانتخابية، وسجلت عديد المخالفات، والتي يرقى بعضها إلى جرائم انتخابية، ومن ذلك تسجيل 37 شكاية ضد مجهولين، و145 شكاية ضد القائمات المترشحة، و18 شكاية ضد مترشحين بعينهم. وذلك حتى صباح الثلاثاء 24 أفريل 2018 . وبخصوص الاجراءات القانونية التي نص عليها المشرع حيال المخالفات والجرائم الانتخابية من واجب الهيئة البت  في المخالفات في حين ينبغي عليها قانونيا رفع الجرائم إلى القضاء، فالأنشطة غير المصرح بها والتي وصلت إلى حدود 330 نشاطا حتى التاريخ المذكور، كتعليق بيانات غير مؤشر عليها من قبل الهيئة، وهي في حدود 108 مخالفات، والدعوة إلى الكراهية والعنف وهي 52 مخالفة، ومخالفات استخدام الهدايا وهي تتجاوز ال 40 مخالفة ، إلى جانب استغلال موارد الدولة والمؤسسات العمومية في مخالفة للقانون وأخلاقيات الحملة . وللأسف فإن أكبر المخالفات سجلت في ولايتي سوسة والكاف ثم نابل و قفصة وتجاوزت المائة مخالفة، والبقية أقل من مائة، وسجلت أقل المخالفات في الجنوب  مثلا دوز مخالفة واحدة وقبلي4 مخالفات . علما بأن المخالفات تخضع لتقديرات هيئة الانتخابات، وتصل عقوبة المخالفة لحد إسقاط القائمة.

إن المخالفات  تعكس تصورات أبعد ما تكون عن المدنية وتصنف. مما يخدش الآمال المعلقة على الانتخابات التي وصف مقاعدها المتنافس عليها، أحد السياسيين البارزين في البلاد بأنها أوتاد تشد خيمة تونس وتجعلها تتحدى الرياح العاتية. بيد أن ذلك لا يضير تونس، إذا ما تحاشى الناخبون التصويت لمثل تلك الانحرافات. إذ أن تونس  انطلقت منذ 14 أفريل في وضع البلاد على سكة الحرية والتقدّم وسياسة التوافق.

الخيط الناظم

كان الاعلان في 26 أفريل  عن بشرى المصادقة على مشروع القانون الأساسي المتعلق بمجلة الجماعات المحلية نبأ سار حيث صو"ت 147 نائبا لصالح المشروع وتحفظ 10 نواب وعدم اعتراض أي نائب ، كان ذلك نفسا جديدا أضفى على حملة الانتخابات نكهة جديدة ، وبث الأمل مجددا في الرأي العام والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تخشى أن يتم العرس دون عقد يحدد الصلاحيات والحقوق والواجبات. إن المصادقة على مجلة الجماعات المحلية سيبث الروح  في مهرجان الحملة الانتخابية ، الذي سيتوج بالعرس في يوم الاقتراع  ويؤكد أن الفرحة اكتملت بعد انتظار لامس اليأس في أن تكون جاهزة قبل الانتخابات ولكنها جهزت. وبالتالي سيعرف الجميع الإطار القانوني الذي سينشطون في ظله، ومعرفة صلاحيات رئيس البلدية، والمجلس البلدي، ويكتمل الخيط الناظم الذي ظل حتى يوم 25 أفريل مفقودا. وكان مجلس نواب الشعب حتى ذلك التاريخ لم يصادق سوى على 297 فصلا من أصل 392، وقد تمّ إسقاط 25 فصلا في الجلسة العامّة إمّا لعدم توفّر النّصاب أو باعتبارها فصولا خلافية. ونظرا لانتقال النوّاب إلى الجهات  قبل نهاية الشهر في إطار أسبوع الجهات، وجب التسريع بالمصادقة على المجلّة . وكان مجلس نوّاب الشّعب قد تعهّد سابقا باستكمال المصادقة على المجلة في 7 أفريل في حين أنّ الحملة الانتخابية للبلديات انطلقت في 14 أفريل دون المصادقة على إطار تشريعي جديد للانتخابات البلديّة وهو ما تطلب الترفيع في نسق العمل البرلماني واستكمال المصادقة على المجلة. وبذلك سقطت كل المخاوف من أن تتحول مجلة الجماعات المحلية إلى رهينة لنتائج الانتخابات وبالتالي سيكون العرس في أبهى حلة ، وإن صح قانونا وعرفا إلا أن غيابه يوّرث حسرة لدى كثير من التونسيين. ورغم أن البعض  كان يعتقد  بأن المصادقة على المجلة  بعد شهر أو اثنين أو ثلاثة من اجراء الانتخابات أمر مقبول ، بيد أن التأخير قد آثار  المخاوف من وجود نية لتكييف نصوصها وفق النتائج وتبعا لمصلحة من يرغب في التأخير ، لكن فاته أنه إذا لم تكن مجلة الجماعات المحلية وفق المواصفات الدستورية، وما يأمله المجتمع المدني سيقع الطعن فيها. ولا شك بأن مجلة الجماعات المحلية أهم ما في العملية الانتخابية بحكم أنها تحدد الصلاحيات، وترسم المسؤوليات المنوطة بالحكم المحلي، وهو ما آثار الكثير من القلق لعدم جهوزية المجلة قبل المصادقة عليها. وها هو الأمل  يتحقق بفعل جد ومثابرة مجلس نواب الشعب في تنفيذ تعهداته بالمصادقة على مجلة الجماعات المحلية قبل 6 ماي القادم، بعد أن توافق نواب الشعب على جميع الفصول وهي 392 فصلا، وتوفير الحبر الانتخابي الذي أكدت المصادر وصوله إلى تونس.

نجاح الانتخابات

 نجاح الانتخابات رهن بمواصلة الأحزاب حملاتها الحماسية بعيدا عن المخالفات والجرائم الانتخابية التي يعاقب عليها القانون ، وقبل ذلك تفسد الحياة السياسية والديمقراطية الناشئة في بلادنا، إذ أن الحملة الانتخابية هي في الأساس تعريف بالبرامج وتقديم الوعود، وليس توزيع الاتهامات وممارسة العنف اللفظي ضد المنافسين، وهو ما لا يستقيم و السلوك المدني المنافي للتوحش الفعلي أو اللفظي. ومما لا شك فيه أن الدولة عندما خصصت 68 مليار دينار من ميزانية الشعب التونسي للانتخابات لم تخصصها لتمويل التناحر الحزبي وإنما من أجل تكريس التعايش، أهم سمات المدنية. ومن الأهمية بمكان التحسيس بقيمة المدنية بمفهومها التعايشي  في مقابل التوحش، ويمكن لوسائل الاعلام التي تغطي الحملة الانتخابية أن تساهم في ذلك إلى جانب الأحزاب المدنية والمجتمع المدني لمواجهة التوحش حتى وإن التحف  بغلالة المدنية أو رفعها شعارا يناقض الواقع الموضوعي.  وهناك أمر في غاية الأهمية حذر منه  الباحث "جايك والاس" وهو أن تونس ستكون علی موعد يوم 6 ماي المقبل مع أول إنتخابات بلدية ديمقراطية طال انتظارها، لاسيما أنها تأجلت عديد المرات ،حيث هناك مخاوف من العزوف عن المشاركة في الانتخابات مما يعطي للمشككين في جدواها والمشككين في السلطة اللامركزية والمتهمين لها بتفكيك البلاد من متنفس بعد أن ضاقت عليهم سبل الحيل التي استخدموها ويستخدمونها لمنع الانتخابات أو منع صدور مجلة الجماعات المحلية بتأخير صدورها كما أخروا مواعيد الانتخابات4 مرات.

خاتمة

خطت تونس خطوة عملاقة في تركيز المؤسسات والتشريعات الضرورية للانتقال الى الديمقراطية.  وستصدر مجلة الجماعات المحلية وفق مبادئ الدستور و المعايير الدولية مع مراعاة الخصوصية التونسية ، ويبقى الرهان الأكبر وهو إقناع أكبر عدد ممكن من المواطنين  بالمشاركة في هذه الانتخابات المصيرية لمستقبل بلادنا وآفاق الديمقراطية الواعدة على أكثر من صعيد. ويعوّل في هذا الصدد على نشاط الأحزاب والمجتمع المدني وحملة هيئة الانتخابات في وسائل الاعلام المكتوبة والمقروءة والمرئية في تحقيق نصاب مشاركة  مشرف لتونس وثورتها ومستقبل شعبها.

عبد الباقي خليفة

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك